نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٤ - (المقدمة الثامنة)
الزراعة و القدرة على دفع العدو فبالسنة أخذت، لأن خير المؤمنين من لا يترك الدنيا للآخرة، و لا الأخرى للدنيا. بل يأخذ منهما كما قال تعالى: وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا [القصص: ٧٧] ا ه و قد أنشد الشيخ رفاعة الطهطاوي في كتابه مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية ص ٥١.
إن حزت علا فاتخذ حرفة * * * تصون ماء الوجه لا يبذل
و لا تهنه أن ترى سائلا * * * فشأن أهل العلم أن يسألوا
و دليله قول الأحنف بن قيس كما لابن الهندي في كتاب الرحمة في الطب و الحكمة:
لا ينبغي للعاقل أن يترك من علم يتزوده لمعاده، و صنعة يستعين بها على أمر دينه و دنياه، و علم طب يذهب به الداء و العلة عن نفسه و عن جسده، و انظر رسالة كشف الزور و البهتان من صناعة بني ساسان على مبالغات فيها.
(المقدمة الثامنة)
و ربما تعلل بعض جهال المتعبدين في ترك التكسب بغلبة الحرام، قال القاري في المرقاة: و اعلم أن هذا الزمان لا يوجد الحلال في كثير من الأحوال، فليكتسب السالك من غيره بما يحفظ حياته لئلا يموت جوعا، قال بعض الظرفاء:
يقول لي الجهول بغير علم * * * دع المال الحرام و كن قنوعا
فلما لم أجد مالا حلالا * * * و لم آكل حراما مت جوعا
لكن يجب أن يراعي درجات الحرام و الشبهة، فمهما وجد ما يكون اقرب إلى الحلال لا يتناول مما يكون بعيدا عنه، حتى قال بعض المشايخ: المضطر إذا وجد غنما ميتا فلا يأكل من الحمار الميت، و إذا وجد الحمار فلا يأكل من الكلب، و إذا وجد الكلب لا يقرب من الخنزير، و لا ينبغي أن يساوي بين الأشياء كسفهاء الفقهاء حيث يقولون:
الحلال ما حل بنا و الحرام ما حرّم منا ا ه.
و إن أردت بسط الكلام على أنواع المكاسب فقف على كتاب البركة في فضل السعي و الحركة [١] و هو في مجلد اشتمل على سبعة أبواب:
الباب الأول: في فضل الحرث و الزرع و الثمار و غرس الأشجار و حفر الأنهار و فيه عدة فصول.
الباب الثاني: في فضل الغزل و فيه فصول.
الباب الرابع: فيما ورد من الآثار في الطب و المنافع.
الباب الخامس: في أربعين حديثا، كل حديث متضمن لفظ البركة و فيه فصول.
الباب السادس: في اذكار و أدعية.
[١] طبع الكتاب في بيروت ١٣٩٨- ١٩٧٨ بدار المعرفة.