نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٤٣ - باب في اجتهاد الصحابة
و اعلم أنّ كمال الاجتهاد متوقف على ثلاثة أشياء:
أحدها: التكيّف بالعلوم التي تهذب الذهن، كالعربية و أصول الفقه و ما تحتاج إليه العلوم العقلية في صيانة الذهن عن الخطأ، بحيث تصير هذه العلوم ملكة للشخص.
و أصول الفقه كان الصحابة أعلم منا بها من غير تعليم، و غاية المتعلم منا أن يصل إلى بعض فهمهم، فقد يخطئ و يصيب.
الثاني: الإحاطة بمعظم قواعد الشريعة، حتى يعرف أن الدليل الذي ينظر فيه حق أو موافق.
الثالث: أن يكون له من الممارسة و التتبع لمقاصد الشريعة؛ ما يكسبه قوة يفهم منها مراد الشرع من ذلك، و ما يناسب أن يكون حكما له في ذلك المحل، و أن يصرح به، فإذا وصل الشخص إلى هذه المرتبة و حصل على الأشياء الثلاثة؛ فقد حاز رتبة الكاملين في الاجتهاد، و من المعلوم أن الصحابة كانوا أكمل الناس في هذه الأشياء الثلاثة، و أما الأول فبطباعهم، و أما الثاني و الثالث فلمشاهدتهم الوحي، و معرفتهم بأحوال النبي (صلى الله عليه و سلم)، فأين لمن بعدهم مداناته؟ ا ه كلامه ملخصا.
و قال الإمام الحافظ أبو شامة المقدسي الشافعي ص ١٠ من كتابه: مختصر كتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول، فصل: و العلم بالأحكام و استنباطها كان أولا خاصا بالصحابة فمن بعدهم، فكانوا إذا نزلت بهم النازلة بحثوا عن حكم اللّه فيها من كتاب اللّه و سنة نبيه ا ه.
و قال الإمام شرف الدين سلطان المادحين أبو عبد اللّه البوصيري في همزيته في حق الصحابة:
كلهم في أحكامه ذو اجتهاد * * * و صواب، و كلهم اكفاء
(رضي الله عنهم) و رضوا عن * * * ه فأنى يخطو إليهم خطاء
قال ابن حجر على قوله: و اجتهاد صحيح: لتوفر شروط الاجتهاد كلها في جميعهم زيادة، و لذلك لم يعرف عن أحد منهم أنه قلّد غيره في مسألة من المسائل، و كان الناس يستفتون كلّ من روى منهم فيفتيه باجتهاده، و لا يعترض أحد منهم على أحد، إلا إن كان هناك نص صريح خولف فيذكر لهم، فمنهم من يرجع إليه و منهم من يؤوله أو يعارضه بمسألة ا ه و نحوه لأبي عبد اللّه زنيبر السلوي و أبي عبد اللّه بنيس الفاسي.
و قال الجوجري: أحكامهم ليست صادرة عن هوى النفس، بل هي ناشئة عن الاجتهاد التام، المستوفي لشروط الاجتهاد، المحصل للأجرين أصابوا أو أخطئوا ا ه منه و نحوه لأبي عبد اللّه الحضيكي، و الشيخ سليمان الجمل المصري، و الصومعي التادلي و غيرهم، ممن شرحها.