نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٥٤ - باب في أن الصحابة كانوا يعتنون بما يبلغهم من العلم بالحفظ و المذاكرة فيه
بعضهم عشرا مثلا، و بعضهم عشرا آخر. و هكذا. فيكون أخصّ من التلاوة، أو مقابلا لها، و الأظهر أنه شامل لجميع ما يناط بالقرآن، من التعلم و العلم».
فانظر أصل التدريس و تعاطي علوم القرآن، فإنه قديم. و قد ذكر السيوطي في الإتقان: أنه (عليه السلام) بيّن لأصحابه جميع تفسير القرآن، أو غالبه. و يؤيد هذا ما أخرجه أحمد و ابن ماجه [١] عن عمر قال: من آخر ما نزل آية الربا، و أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قبض قبل أن يفسرها. فدل فحوى الكلام على أنه كان (عليه السلام) يفسر لهم كل ما نزل، و أنه إنما لم يفسر لهم هذه الآية لسرعة موته بعد نزولها، و إلا لم يكن لتخصيصها وجه.
و أما ما أخرجه البزار عن عائشة قالت: ما كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يفسر شيئا من القرآن، إلا آيات بعد أن علمه إياهن جبريل، فهو حديث منكر. كما قال الحافظ ابن كثير، و أوّله ابن جرير و غيره على أنها إشارات إلى آيات مشكلات، أشكلن عليه، فسأل اللّه عنهنّ، فأنزل إليه على لسان جبريل، و انظر الحديقة الندية.
باب في أن الصحابة كانوا يعتنون بما يبلغهم من العلم بالحفظ و المذاكرة فيه
خرّج أبو نعيم عن علي قال؛ تزاوروا و تذاكروا هذا الحديث؛ إن لا تفعلوا يدرس.
و ذكر أبو عمر بن عبد البر عن ابن مسعود قال: تذاكروا الحديث، فإنه يفهم بعضهم بعضا، و ذكر أيضا عن عون بن عبد اللّه قال: لقد أتينا أم الدرداء فتحدثنا عندها فقلنا:
أمللناك يا أم الدرداء فقالت: ما أمللتموني، لقد طلبت العبادة بالمدينة، فما وجدت أشهى لنفسي من مذاكرة العلم، أو قالت من مذاكرة الفقه.
و روي عن عمر بن الخطاب قال: لو لا أن أسير في سبيل اللّه، أو أضع جبهتي في التراب، أو أجالس قوما يلتقطون أطيب القول، كما يلتقط طيب الثمر، لأحببت أن أكون قد لحقت باللّه.
و حكى ابن قتيبة أن معاوية قال لعمر: ما بقي من لذة الدنيا إلا محادثة الرجال أهل العلم، أو خبر صالح يأتيني من ضيعتي.
و خرج ابن سعد في الطبقات عن أبي سعيد الخدري قال: كان أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إذا قعدوا يتحدثون، و كان حديثهم الفقه، إلا أن يأمروا رجلا فيقرأ عليهم سورة، أو يقرأ رجل سورة من القرآن.
و في القاموس: الفقه بالكسر: العلم بالشيء و الفهم له و الفطنة، و غلب على علم الدين لشرفه ا ه.
[١] انظر ابن ماجه كتاب التجارات ج ٢ ج ٧٦٤ و رقمه ٢٢٧٦ و نصه عن عمر بن الخطاب قال؛ إن آخر ما نزلت آية الربا، و أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قبض و لم يفسرها لنا. فدعوا الربا و الريبة.