نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٩٦ - خاتمة
صفة النبي (صلى الله عليه و سلم) في حديث هند و غيره: هذه الصفات لا تكون إلا لنبي، و لا يحتاج في الدلالة معها إلى غيرها و إن اعتدال الخلقة يدل على اعتدال الخلق، و إنها جبلة صدرت عن النور الساطع، و الحق الذي ليس عنده باطل، و أنه لم يلق في طريقه ظلمة، و لا آفة، حتى خلص إلى الوجود على نهاية الكمال في الصنع، ثم استفسره خاتما كلامه بقوله: من نظر إلى كلام سيدنا محمد (صلى الله عليه و سلم)، و ما أبان من المعاني، و أوضح من المقاصد و أخبر عنه من الكائنات، و نظم من الترتيب، و قرر من التدريب، و دخول جميع المعاني من جميع الخلق أفعالا و أقوالا تحت ذلك النظام، علم قطعا أنه أمر يفوت طوق البشر، و أنه لا يحصيه فيهم إلا موجدهم، و لا يرأبه لهم إلا عالمهم و خالقهم، و هذه غاية في العصمة و الحمد للّه و المنة ا ه ملخصا.
خاتمة
و هنا عنّ لنا الاختتام و إيقاف القلم المسكين للاستراحة، موقف الإتمام معتذرا للسامع في الاقتصار على هذا القدر، من أحوال ذلك العصر النبوي الزاهر، بأن هذا ما أمكن الآن جمعه و عرضه، لا أن هذا غاية ما كان رائجا في ذلك الدور، من الصناعات و التجارات، و العمالات، و العلوم، لا، لا، فإن الواصل إلينا العلم به أدون مما كان موجودا بمراحل كثيرة، و بينهما فراغ متسع، لأن المقطوع به أنه ليس كل ما كان موجودا في ذلك الزمان في كل باب وصلنا العلم به التفصيلي التام الآن، و لا غيرنا ممن قبلنا و ذلك لأسباب:
الأول أن أهل القرن الأول لم يكن لهم اعتناء تام كاف بالتدوين اكتفاء بالقرآن، و خشية أن يختلط به غيره، فلما أمن الناس ذلك في القرن الثاني، أقبلوا على التدوين في بعض الأبواب، على حسب الآكد بالنسبة لأدوار و أحوال ذلك الجيل لما رأوا إذا ذاك الحاجة ماسة إلى تدوينه بحيث لم يهتبلوا بتدوين ما كان من هذا النمط، و لو دونوا فيه لكان نهاية العبر و آية الإعجاز، بحيث ما تقف عليه الآن في هذه الأبواب إنما نقيمه و نستخرجه من خلال ذكر الغزوات و القضايا و الواقعات، لا أنهم كانوا يقصدون الأخبار بهذا النوع بعينه، و للّه در من قال: إن المدنية الإسلامية التي طبّقت شهرتها الآفاق، كادت تكون مع قرب عهدها، و بقاء آثارها، و آثار أهلها إلى الآن أشبه في الغموض بمدنية الأمم البائدة، التي ينقب الباحثون في تاريخها، عن دفائنها الأرضية، و آثارها العافية، ليقفوا على تاريخها الغابر ا ه.
و قال أيضا: أين هو لعمر أبيك التاريخ الذي يفصّل لنا أخبار السلف، التي تتعلق بمدنيتهم الغابرة، و أصول معيشتهم، و صنائعهم، و عوائدهم، و أزيائهم، و أصول حكومتهم، المتعلقة بالإدارة، و القضاء و السياسة، و الجندية و التعليم، و المدارس، و المصانع، و غير ذلك مما يتعلق بترقي هذه الأمة و حالتها الاجتماعية.
الثاني: أن غالب مصنفات من تقدم في الأثر و السير انعدمت اليوم أو كادت،