نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٢٣ - الباب الأول من المقصد الأول
سبحانه، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة و أعلامهم؛ مثل الخلفاء الأربعة و ابن مسعود و ابن عباس حتى قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب اللّه تعالى، ثم ورث عنهم التابعون بإحسان، ثم تقاصرت الهمم و فترت العزائم، و تضاءل أهل العلم و ضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة و التابعون، من علوم و سائر فنونه، فنوعوا علومه و قامت كل طائفة بفن من فنونه. فاعتنى قوم بضبط لغاته و تحرير كلماته، و معرفة مخارج حروفه، و عددها وعد كلماته و آياته و سوره و أحزابه و أنصافه و أرباعه، و عدد سجداته و التعليم عند كل عشر آيات إلى غير ذلك، من حصر كلمات متشابهة، و آيات متماثلة من غير تعرض لمعانيه، و لا تدبر لما أودع فيه فسمّوا القراء، و اعتنى النحاة بالمعرب منه من الأسماء و الأفعال و الحروف القابلة و غيرها، و أوسعوا الكلام في الأسماء و توابعها، و ضروب الأفعال و اللازم و المتعدي، و رسوم خط الكلمات، و جميع ما يتعلق به حتى أن بعضهم أعرب مشكله و بعضهم كلمة كلمة.
و اعتنى المفسرون بألفاظه فوجدوا لفظا يدل على معنى واحد و لفظا يدل على معنيين، و لفظا على أكثر. فأجروا الأول حكمه و أوضحوا المعنى الخفي منه، و خاضوا في ترجيح أحد محتملات ذي المعنيين و المعاني، و أعمل المعنيين كل فكره، و قال ما اقتضاه نظره.
و اعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية، و الشواهد الأصلية و النظرية، مثل قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، و استنبطوا منه أدلة على وحدانيته تعالى، و وجوده، و بقائه، و قدمه، و قدرته، و علمه، و تنزيهه عما لا يليق به، و سمّوا هذا العلم بأصول الدين، فتأملت طائفة منهم معاني خطابه، فرأت منها ما يقتضي الخصوص، و منها ما يقتضي العموم، و تكلموا في التخصيص، و الأخبار، و النص، و الظاهر، و المجمل، و المحكم و المتشابه، و الأمر و النهي، و النسخ إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة، و استصحاب الحال و الاستقراء. و سموا هذا الفن بأصول الفقه.
و أحكمت طائفة صحيح النظر و صادق الفكر، فيما فيه من الحلال و الحرام، و سائر الأحكام؛ فأسسوا أصوله و فرّعوا فروعه، و بسطوا القول في ذلك بسطا حسنا، و سموه بعلم الفروع و الفقه أيضا.
و تلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السابقة، و الأمم الخالية و نقلوا أخبارهم، و دونوا آثارهم و وقائعهم، حتى دوّنوا بدء الدنيا و أول الأشياء، و سموا ذلك بالتاريخ و القصص.
و تنبه آخرون لما فيه من الحكم و الأمثال و المواعظ التي تغلغل قلوب الرجال، و تكاد تدك الجبال فاستنبطوا مما فيه من الوعد و الوعيد، و التحذير و التبشير، و ذكر الموت و النشر، و المعاد و المحشر، و الحساب و العقاب، و الجنة و النار، فصولا من المواعظ، و أصولا من الزواجر، فسمّوا بذلك الخطباء و الوعاظ.