نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٩٣ - رقص الحبشة في المسجد النبوي إمامه
فزجرها عنها، وردها إلى الغناء الذي هو لهو. و لأن هذا جدّ محض فلا يقرن بصورة اللهو. فواجب في الاحترام العدول إلى الغناء عن القرآن، كما وجب على تلك الجارية العدول عن شهادة النبوة إلى الغناء ا ه منها و نحوه لابن التين السفاقسي في شرحه على الصحيح.
و نظيره ما سبق في باب ذكر ما كانوا يغنون به فانظره، و في الإرشاد للقسطلاني على قصة الربيع هذه: و قوله دعي هذه و قولي الخ ما نصه: فإن مفاتيح الغيب عند اللّه لا يعلمها إلا هو، و أيضا يحتمل أن يكون الممنوع أن يوصف (عليه السلام) أثناء اللعب و اللهو، إذ منصبه أجلّ و اشرف من أن يذكر إلا في مجالس الجد ا ه.
و كذلك نقول هنا: لو كان فعل الحبشة مجرد لعب لنهاهم (عليه السلام) أن يقولوا و هم يلعبون: محمد عبد صالح. و حيث لم ينههم، بل أقرهم و أغراهم فهو ذكر قصد به التعبد و طاعة، و إظهار الفرح باللّه و برسوله، فلذلك أقرّهم (عليه السلام) و عجب من فعلهم و نالوا غاية الرضى منه.
و في الشفاء: كان السلف الصالح تظهر عليهم حالات شديدة عند مجرد ذكره (عليه السلام) ا ه.
و من جواب للشيخ أبي السعود الفاسي أن النبي (صلى الله عليه و سلم) لا يحل أن يذكر إلا على قصد الثواب، و مواضع الفرجة فيجل ذكره عن ذلك كله ا ه.
و أما قول الحافظ ابن حجر في الفتح: استدل قوم من الصوفية بحديث الباب على جواز الرقص و سماع آلات اللهو، و طعن فيه الجمهور لاختلاف المقصدين، فإن لعب الحبشة بحرابهم كان للتمرين على الحرب، فلا يحتج به للرقص في اللهو. ففيه نظر لأن رقص القوم ليس من اللهو و اللعب و لذا قال شيخنا أبو عبد اللّه محمد الفضيل الشبيهي في الفجر الساطع إثره: و فيه نظر، فإن الرقص الذي أثبته الصوفية ليس قصدهم منه اللهو، و حاشاهم من قصد ذلك، و انما قصدهم به الاجتماع على الذكر، و الإقبال عليه بالقلب و القالب، و استغراق الجوارح كلها فيه و هو قصد صحيح، لما جاء من الترغيب في الإكثار من الذكر على أي حال كان الذاكر، فلا طعن في الاستدلال عليه برقص واقع لمقصد صحيح أيضا ا ه منه.
أقول: غاية الرقص عند القوم ذكر من قيام، و هو مشروع بنص القرآن: اذكروا اللّه قياما و قعودا و على جنوبكم، و تمايل و اهتزاز و هو منقول عن الصحابة، فقد خرّج أبو نعيم في الحلية عن الفضيل بن عياض: كان أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إذا ذكروا اللّه تمايلوا يمينا و شمالا كما تتمايل الشجرة بالريح العاصف إلى أمام، ثم ترجع إلى وراء انظر تأليف الرقص لشيخنا الأستاذ الوالد، و هو مطبوع و اختصاره لشيخنا أبي العباس ابن الخياط الزكاري، و ذيلنا على الأصل، و رسالة الحافظ أبي العباس أحمد بن يوسف الفاسي في المسألة و هي