نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٣٠٢ - خاتمة
ألفت في القرن الثاني و الثالث و الرابع و الخامس، مع أنها أجدر بالاهتمام؛ لإفادتها و قلتها في الوجود، فأخاف إن دام طرف أصحاب المطابع مغضوضا عنها أن تضيع بالكلية و تنعدم، فإن أكثر الموجود منها على قلته تخرّق و كاد يضمحل و أني أندب الكتّاب و أصحاب الهمم إلى الكتابة في هذا الموضوع الهام، و هو تحريض أصحاب المطابع على نشر الكتب القديمة الإسلامية، التي كادت تضمحل، و ذلك بتكوين لجنة أولية تجمع أساميها و عناوينها و محلات وجودها، ثم السعي في نشر الأهم، و الأقدم، و الأندر منها، و اللّه الموفق.
و لكن و إن أحرق ما أحرق، و نهب ما نهب، و حجر ما حجر، و أخفي ما أخفي، فالأصل الأصيل لتفاصيل المدنية الإسلامية القرآن الكريم الذي جمع فأوعى، و كان حفظه الذي لا ينسى على ممر الدهور، السبب العظيم لحفظ ضوابط تلك المدنية الإسلامية، و قد حازت منه الأمة المغربية أوفر الحظوظ، حتى قالوا: إن القرآن نزل بلغة العرب ففسره العجم، و حفظه المغاربة و نطق به أهل مصر، و أحسن الاستماع له الترك، و عمل بالقسم الأخروي منه أهل اليمن. و منذ نزل القرآن هذه مدة من أربعة عشر مائة سنة، و الناس يستنبطون منه، و يستخرجون على إختلاف المدارك و الغايات، و الحظوظ، و الفنون العلمية، و الأخلاقية و القانونية و التاريخية و الفلسفية، و هو إلى الآن بحر لا ينفد، و لا تنقضي عجائبه.
و من بديع أمر القرآن الدال على أنه منبع الترقي و الحضر، و الاستعمار بمعناه اللغوي، أنك لا تجد اليوم حادثة في باب من أبواب العلوم الكونية إلا و يمكن أن تستخرجها أو ما يدل عليها من القرآن، و قد قام بهذا القسط اليوم من أهل الإسلام من شعروا بالغاية القصوى فيه، من أهل مصر، و الشام، و العراق، فتجردوا لاستخراج فرائده، و استيعاب مضامينه على حسب حاجات هذا العصر، و ما يروج فيه مما هو في الحقيقة من العلوم الإسلامية، و لكن أعطي صبغة أخرى، و شكلا آخر، فقام كاتب حكيم في دمشق الشام و هو الأستاذ محمد بن أحمد الإسكندراني يستخرج منه العلوم الطبيعية، و ما في الأرض من أسرار المياه، و مجاريها و الأحجار و فوائدها، و النباتات و حكمها و خواصها، و كتابه هذا في غاية الإبداع، اشتمل على ثلاث مجلدات سماه: كشف الأسرار النورانية القرآنية فيما يتعلق بالأجرام السماوية و الأرضية و الحيوانات و النباتات و الجواهر المعدنية، طبع سنة ١٢٩٩. و قام العلامة الفلكي الكبير المرحوم أحمد مختار باشا التركي فألف كتاب: «موافقة الآي القرآنية للعلوم الفلكية» جمع فيه نحو سبعين آية.
و قام ضابط تركي من النابغين في الفلك و الهيئة فألف كتابا في تطبيق قواعد هذا العلم على القرآن الكريم أيضا.
و ما ألف أجمع و لا أوسع في هذا الباب من كتاب صديقنا الاستاذ العلامة عالم مصر الشمس محمد بن بخيت المطيعي الحنفي، و هو مطبوع في مجلد. و قام كاتب في مصر