نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٣٠٤ - خاتمة
و لننقل لك بحثا للمؤرخ سيدليو السابق الذكر في كتابه خلاصة تاريخ العرب، الذي ترجمته إدارة المعارف المصرية و طبعته سنة ١٣٠٩ ه ١٨٩٠ م قال فيه:
المبحث السابع عشر في اختراعات العرب، و استكشافاتهم بيت الإبرة، و صناعة الورق، و البارود، و الأسلحة النارية.
أسلفنا لك وصف الأسباب و المسببات المتعلقة بالتمدن المنتشر في الدنيا، بانتشار العرب، من ابتداء بوغاز جبل طارق، إلى نهاية حدود آسيا. و بقي علينا التكلم على ما تغيرت به الحالة الأدبية و السياسية و العسكرية في جميع الدنيا، من اختراع العرب الورق، و بيت الإبرة و بارود المدافع، و لا عبرة ببعض الأفرنج الذي سلب عن العرب شرف اختراعها و تعليمها لأوروبا، زاعما أنّ أهل الصين عرفوا تلك الأشياء، منذ زمان قديم، عملا بما أطلع عليه من نسبته لغيرهم، في بعض متون موهومة العزو إلى من نسبت إليه، كما زعم أنّ المطبعة كانت موجودة لدى أهل الصين، منذ القرن الثامن من الميلاد، نعم، استفاد العرب عمل الورق من الحرير من أهل الصين، الذين لو كانوا يعرفون صناعة الطبع قبل غيرهم لاستفادها العرب منهم، و كيف يظن أنهم استعملوا بيت الإبرة، مع أنهم لم يزالوا إلى سنة ١٨٠٠ ميلادية يعتقدون أنّ القطب الجنوبي من الكرة الأرضية سعير تتلظّى، و هل عرفوا استعمال البارود و تلك الاستعمالات المتنوعة الباقي أثرها لدى العرب، المشهود لهم باستعمالها أصنافا من القلل [الفنابل] في حصارهم مكة [١] سنة ٦٩٠ ميلادية، و استعمالهم بمصر في القرن الثالث عشر البارود المستخرج من ملح النجاة، ليرمى به نحو قلل ذات صوت كالرعد، و ذكر استعماله في وصف معرض البحرية التي عقدها ملك تونس مع أمير أشبيلية في القرن الحادي عشر، كما استعمل في حصار جبل طارق سنة ١٣٠٨ ميلادية، و حصار إسماعيل ملك غرناطة لمدينة بايطة سنة ١٣٢٤، و حصار طريفة سنة ١٣٤٠، أن الرصاص رمي بالبارود في تلك الحصارات، فابتدأ نصارى إسبانية يومئذ في استعماله، و قد استعمل العرب بيت الإبرة في ابتداء القرن الحادي عشر، في سفر البحر و البر، و ضبط محاريب الصلاة، و صنع الورق من الحرير سنة ٦٥٠ ميلادية في سمرقند و بخارى، ثم استبدل يوسف بن عمر سنة ٧٠٦ ميلادية الحرير بالقطن الذي منه الورق الدمشقي، و استعمل ورق الغرب في الثالث عشر بقسطيلة، التي شاع منها استعماله في فرنسا و إيطالية و ألمانية، و ما أسلفناه هو كيفية تحكم العرب على جميع فروع تمدن أوروبا الحديث، و منه يعلم أنه من القرن التاسع إلى الخامس عشر كان عند العرب أوسع ما سمح به الدهر من الأدبيات، و أن نتائج أفكارهم الغزيرة، و اختراعاتهم النفيسة، تشهد أنهم أساتذة أوروبا في جميع الأشياء، كالمواد المختصة بتاريخ القرون الوسطى، و أخبار السياحات و الأسفار، و قواميس سير الرجال المشهورين، و الصنائع العديمة المثال، و الأبنية الدالة على
[١] المشهور أن المسلمين في عصر النبوة حاصروا الطائف و رموها بالمنجنيق مصححه.