نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٦٧ - باب في ذكر الأغنياء من الصحابة و من توسع منهم في الأمور الدنيوية
قلت: هذا يدلك على مقدار ما كانوا يستهلكون من المصاريف، و نفقات عيالهم.
و في طبقات ابن سعد: عن سفيان بن الربيع قال: انطلقت في رهط في نسّاك أهل البصرة إلى مكة فقلت: لو نظرت رجلا من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فدللنا على عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فأتينا منزله، فإذا قريب من ثلاثمائة راحلة، فقلت: على كل هؤلاء حج عبد اللّه بن عمرو؟ قالوا: نعم هو و مواليه و أحباؤه الخ أنظر ص ٢ ج ٤.
و من أغنيائهم سيدنا أنس، خادم النبي (صلى الله عليه و سلم)، فقد أخرج ابن سعد في الطبقات: كان أنس بن مالك من أحرص أصحاب محمد على المال، و قال ابن حجر الهيثمي في شرح الهمزية، على قول البوصيري في الصحابة:
أغنياء نزاهة فقراء * * * علماء أيمة أمراء
من كان بيده منهم قال كابن عوف و عثمان، فإنما كان خازنا للّه يصرفه في مصارفه الشرعية، فهو مقتنيه لذلك لا لفخر، و لا لمحبة جمع الحطام الفاني، و لذلك جاء أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف رقيق، و تصدق هو و عثمان في غزوة تبوك بما يبهر العقل، و كان للزبير ألف مملوك يؤدون له الخراج، و ما مات إلا و عليه قدر كثير جدا من الديون، و كون المخلف عن ابن عوف في ربع ثمنه ثمانون ألف دينار، لا ينافي ما تقرر أنه إنما كان خازنا للّه، فإنه ليس معناه يخرج جميع ما بيده دفعة واحدة، بل يبقيه و يخرج منه ما هو المطلوب منه في كل حال، أو زمان. و أما إخراجه (صلى الله عليه و سلم) لجميع ما كان بيده دفعة فهو إما لاحتياجه لذلك، لسدّ ضروريات أصحابه أو لأن حاله في الأمور الخارقة للعادة، لا يقدر غيره على التأسي به فيها، فلا يكلف بذلك ا ه و نحوه لأبي عبد اللّه زنيبر السلاوي، و الشريف السجلماسي، و أبي عبد اللّه الحضيكي السوسي، ثلاثتهم في شرحها أيضا و زاد الحضيكي على قوله:
زهدوا في الدنيا فما عرف الميل * * * إليها منهم و لا الرغباء
لا ينافي زهدهم فيها كونهم أغنياء كما تقدم، و حصولها بأيدي بعضهم بدعائه (صلى الله عليه و سلم) لأنس، و ابن عوف، و ثناؤه (عليه السلام) على المال بقوله: نعم المال الصالح في يد الرجل الصالح، لأنهم خزان اللّه الخ. و انظر تحفة الأكابر على أثر عبد الرحمن بن عوف: يدخل الجنة حبوا.
و سأل السلطان الملك الأشرف حافظ عصره الشمس السخاويّ عن حديث: اللهم من أحبني فارزقه الكفاف، و من أبغضني فأكثر ماله و ولده، هل هو صحيح؟ و ما الجمع بينه و بين دعائه (عليه السلام)؛ لأنس بكثرة المال و الولد، فأجابه بجواب نفيس جدا في نحو كراسين مضمونه؛ أن الحديث المذكور وارد من طرق و دعاؤه لأنس أصح منه، و محملها أن المال الذي دعا به (عليه السلام) لأنس هو المطلوب من حله و المأخوذ من وجهه، أنظر الجواب المذكور فإنه مفيد.