نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢١٠ - باب في ذكر من كان يحال عليه الأمور الحسابية في زمن الخلفاء الراشدين
العالم، و ذلك لأنه لما أحسن السؤال أعان المجيب على إجابته. فللسائل جهة التصور وحده، و للعالم المجيب جهة التصديق، وحده. و إن شئت قلت: السائل صوّر و العالم حكم. و إن شئت قلت: السائل هيأ المحل للحكم، و العالم أنزله في ذلك المحل، هذا الذي فهمناه من هذا الحديث، و من ابتلي بالفتوى علم قدر حسن السؤال، و أنه كما قال (عليه السلام)؛ لا سيما إن كان الطالب نجيبا غاية، فإنه في سؤاله يشير للأحكام إشارة إجمالية ينبه المجيب لما لم يخطر بباله ا ه و هو حسن.
باب في ذكر من كان يحال عليه الأمور الحسابية في زمن الخلفاء الراشدين
عقد الإمام أبو يوسف السيتاني في شرح التلمسانية، تنبيها ذكر فيه أن مما يحتاج إليه في فمن المواريث علم الحساب قال: و بحسب قوته في الحساب يكون اقتداره على إخراج الحظوظ [السهام]، فإن كان فقيها لا حساب له لم يقدر على عملها، و غاية ما يتأتى له من الفرائض البسيطة ما يتأتى للعامي بعقله، ثم قال: و قد حكي عن [ابن] عمر: أنه سئل عن فريضة فقال: سلوا عنها سعيد ابن جبير، فإنه يعلم عنها مثل ما أعلم: و لكنه أحسب مني ا ه فأفاد أولا أن عمر كان حيسوبيا، و لكن أحال على سعيد لأن السلف كانوا إذا سئل أحدهم عن مسألة أحال فيها على غيره، و ربما دارت بين جماعة يحيل فيها كل واحد على صاحبه، حتى ربما رجعت إلى المسئول عنها أولا:
و في شرح الإمام ابن قنفذ القسمطيني على منظومة ابن أبي الرجال في الفلك: اعترض على الإمام فخر الدين حيث قال: الصحابة لم يكونوا متبحرين في دقائق علم الحساب و الهندسة، قال شهاب الدين: و هو خلاف ما هو معلوم لأهل الاطلاع على أحوال الصحابة، و قد قال الشعبي: ما رأيت أحسن من علي بن أبي طالب. قال غيره: و كان يخرج وقائع صفين من قوله تعالى: حم عسق إلى غير ذلك من أحوالهم المعروفة في دقائق العلوم ا ه.
و في الفروق للقرافي: و من نوادر المسائل الفقهية التي يدخل فيها الحساب، المسألة المحكية عن علي ابن أبي طالب، و ذلك أن رجلين كان مع أحدهما خمسة أرغفة و مع الآخر ثلاثة فجلسا يأكلان فجلس معهما ثالث يأكل معهما، ثم بعد الفراغ من الأكل دفع لهما الذي أكل معهما ثمانية دراهم و قال: اقتسما هذه الدراهم على قدر ما أكلت لكما، فقال صاحب الثلاثة: إنه أكل نصف أكله من أرغفتي و نصف أكله من أرغفتك فأعطني النصف أربعة دراهم، فقال له الآخر: إلا ثلاثة دراهم، فحلف صاحب الثلاثة لا يأخذ إلا ما حكم به الشرع. فترافعا إلى علي، فحكم لصاحب الثلاثة بدرهم واحد، و لصاحب الخمسة سبعة دراهم، فتنكر من ذلك صاحب الثلاثة فقال له علي: الأرغفة ثمانية و أنتم ثلاثة أكل كل واحد منكم ثلاثة أرغفة إلا ثلثا، بقي لك ثلث من أرغفتك أكله صاحب الدراهم، و أكل صاحبك من أرغفته ثلاثا، إلا ثلثا و هي خمسة، يبقي له رغيفان و ثلث،