نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢١٨ - باب في أخذ الصحابة العلم بعضهم عن بعض
و تحريضهم على فهم ما أهملوه. قالوا: و لهذا جرت عادة خطباء المشرق، و قدماء الأندلس بتنويع الخطب بحسب الحاجة الوقتية للتنبيه على ما يفعل الناس لذلك، فتحصل للسامع أعظم منفعة، و أكبر فائدة، و أهمل هذا أهل المغرب؛ بل طالما أنكره و انتقده من ينتمي إلى العلم، و لو علم هذا ما اشتملت عليه خطبه (عليه السلام)، و خطب خلفائه لما أنكره. و هي طريقة مشهورة عن السلف. ذكرت شواهدها في شرح خطبي التي أنشأتها ا ه منه.
باب في روايته (صلى الله عليه و سلم) عن أصحابه و تحديثه عنهم
روى (عليه السلام) في خطبته عن تميم الداري في قصة الجساسة و هي في آخر صحيح مسلم، و روي عن مالك بن مزود و قيل: ابن مرارة و قيل ابن مرارة الرهاوي، و فيما أخرجه ابن منده في الصحابة بسنده عن زرعة بن ذي يزن، أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كتب إليه كتابا، و أن مالك بن مزود الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت و قاتلت المشركين، فأبشر بخير. الحديث.
و منه روايته (صلى الله عليه و سلم) عن أمه في حديث عنها أنها أخبرته بإضاءة قصور الشام و بصرى عند ولادته، و منه قراءته (صلى الله عليه و سلم) على أبيّ بن كعب، و قال: أمرني اللّه أن أقرأ عليك: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة: ١] قال السيد السمهودي في الجوهر من فوائده: أن لا يمتنع الفاضل من الأخذ عن المفصول ا ه.
قلت و هذا الأصل في رواية الأكابر عن الأصاغر. و منه كما في كشف الظنون: رواية الخلفاء الأربعة و غيرهم، عن عائشة في كثير من الأحكام، و هو النوع الحادي و الأربعون من تقريب النووي، و هو كما قالوا: نوع لطيف. و من فوائده معرفة الأمن من الانقلاب، فلا يظن و لا يتوهم في السند انقلاب و تنزيل أهل العلم منازلهم؛ عملا بخبر أبي داود من حديث عائشة مرفوعا: أنزلوا الناس منازلهم [١]، و هذا النوع يحمل عليه الرغبة في الفائدة؛ لأنها ضالّة المؤمن فحيث ما وجدها من كبير أو صغير أو تلميذ أو قرين التقطها.
باب في أخذ الصحابة العلم بعضهم عن بعض
و هو من أنواع نقل السنة و وجوهها، و هو نوع مهم جدا ذكره البلقيني في محاسن الاصطلاح و لم يذكره ابن الصلاح و لا اتباعه في أنواع الحديث، لأن الغالب رواية الصحابة عن النبي (صلى الله عليه و سلم)، و رواية التابعين عن الصحابة، و من أمثلته حديث اجتمع فيه أربعة صحابة يروي بعضهم عن بعض؛ و هو حديث الزهري عن السائب بن يزيد عن حويطب بن عبد العزى عن عبد اللّه بن السعدي عن عمر بن الخطاب مرفوعا: ما جاءك اللّه من هذا المال من غير إشراف و لا سائل فخذه، و لا تتبعه نفسك [٢].
[١] رواه في كتاب الأدب باب ٢٠ ص ١٧٣ ج ٥.
[٢] رواه النسائي في كتاب الزكاة باب ٩٤ ج ٥ ص ١٠٤ و نصه: ما آتاك اللّه عز و جل من هذا المال من غير مسألة و لا إشراف فخذه فتموله أو تصدق به و مالا فلا تتبعه نفسك.