نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٤٤ - باب في اجتهاد الصحابة
و قال الشريف السجلماسي في شرحها: هم علماء أئمة يقتدى بهم، لأنهم ورثوا من علمه (صلى الله عليه و سلم) ما تميزوا به عن جميع من جاء بعدهم، و قد أنزل القرآن بلغتهم، و على أسباب عرفوها، و قصص كانوا فيها، فعرفوا مسطوره و مفهومه، و منصوصه و معقوله، قال الشيرازي في طبقات العلماء الفقهاء: و لهذا قال أبو عبيدة في كتاب المجاز لم ينقل أن أحدا من الصحابة رجع في معرفة شيء من القرآن إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و خطاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بلغتهم، يعرفون معناه، و يفهمون منظومه و فحواه، و أفعاله هي التي فعلها من العبادات، و المعاملات في السير و السياسات، و قد شاهدوا ذلك كله، و عرفوه و تكرر عليهم و تحروه، غير أن الذي اشتهر منهم بالفتوى و الأحكام جماعة مخصوصة، و أما من لم يلازمه (صلى الله عليه و سلم)، فإنه ليس بهذه المثابة، فقد جاء أن الحسن البصري كان يفتي الصحابة في زمنه، و هو من تصديق قوله (عليه السلام): رب مبلّغ أوعى من سامع، ثم أتى بكلام ابن حجر السابق، و ما أشار إليه من أنّ أكثرهم كذلك، نحوه قول ابن حجر. و هذا بالنسبة لأكثرهم، و غاية ما يقال في نحو الحسن البصري؛ أن السائل له من الصحابة قبل أن يصرف قوة اجتهاده و ملكته بنفسه، فإذا أفتاه نظر فيه و بذل وسعه في النظر في الدليل، فيوافق إفتاء الحسن اجتهاده ثم استدل بقول الجوجري عقب ما سبق عنه، و كلهم في ذلك متكافئون، متساوون من حيث الاجتهاد، و عدم صدور شيء من الأحكام عن شهوة أو غرض ا ه.
و قال الشهاب الهيثمي في شرح الهمزية، على قول البوصيري: كلهم في أحكامه ذو اجتهاد أي صواب، و كلهم أكفاء؛ متكافئون في أصل الصحبة، و الفضلية و العلم و الاجتهاد، و إبراز الأحكام للّه، و إنما يتفاوتون في الزيادة في ذلك، و حينئذ فلا ينافي ذلك قول ابن عمر:
أبو بكر أعلمنا، و لا سؤال عمر لعلي فيجيبه فيقول: لا قدس اللّه أمة لست فيهم يا أبا الحسن، و لا تقديم عمر لابن عباس علي أكابر مشيخة المهاجرين و الأنصار، لأنه كان يجد عنده من العلم ما ليس عندهم، و لا سؤال معاوية لعلي بالإرسال إليه في المشكلات فيجيبه. و لقد قال له أحد أهل بيته: لم تجيب عدونا فقال: أ ما يكفينا أنه احتاج إلينا و سألنا ا ه.
و في حاشية الباجوري، على شرح السلم، بعد أن ذكر عن ابن حجر مستدلا بأنه لم يعرف أن واحدا من الصحابة قلّد غيره في مسألة من المسائل، قال: لكن رجح بعض أن فيهم المقلدين و المجتهدين ا ه.
و فيه أنه لم يأت بما يناقض ما ذكره ابن حجر فتأمله، و اللّه تعالى أعلم. ثم وجدت في فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت، حين تكلم على قول الصحابي فيما يمكن فيه الرأي، هل يلحق بالسنة؟ و ذكر منه القول بأن ذلك خاص بقول الشيخين، ما نصه: و ينبغي أن يكون النزاع في الصحابة الذين أفنوا أعمارهم في الصحبة، و تخلقوا بأخلاقه الشريفة، كالخلفاء و أزواجه الطاهرات و العبادلة و أنس، و حذيفة و من في طبقتهم، لا مسلمة الفتح، فإن أكثرهم لم تحصل لهم معرفة الأحكام الشرعية إلا تقليدا ا ه.