نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٢٤ - الباب الأول من المقصد الأول
و استنبط قوم مما فيه من أصول التعبير، مثل ما ورد في قصة يوسف في البقرات السمان، و في منامي صاحبي السجن، و في رؤياه الشمس و القمر و النجوم ساجدة، و سموه تعبير الرؤيا و استنبطوا تعبير كل رؤيا من الكتاب، و إن عزّ عليهم إخراجها منه فمن السنة، و هي شارحة للكتاب، فإن عسر فمن الحكم و الأمثال، ثم نظروا إلى اصطلاح الحكم و العوام في مخاطباتهم، و عرّف عادتهم، الذي أشار إليه القرآن بقوله: وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ.
و أخذ قوم لما في آيات المواريث، من ذكر السهام و أربابها، و غير ذلك و سمي علم الفرائض، و استنبطوا منها من ذكر النصف و الثلث و الربع و السدس و الثمن حساب الفرائض، و مسائل العدل. و استخرجوا منه أحكام الوصايا.
و نظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالة على الحكم الباهرة في الليل و النهار، و الشمس و القمر، و النجوم و البروج و عير ذلك، فاستخرجوا منه المواقيت.
و نظر الكتاب و الشعراء، إلى ما فيه من جزالة اللفظ و بديع النظم و حسن السياق، و المبادي و المقاطع، و المخالص، و التلوين في الخطاب، و الإطناب و الإيجاز، و غير ذلك، و استنبطوا منه: المعاني و البيان و البديع.
و نظر فيه أرباب الإشارات و أصحاب الحقيقة؛ فلاح لهم من ألفاظه معان و دقائق و جعلوا لها أعلاما اصطلحوا عليها، مثل: الفناء و البقاء، و الحضور و الخوف، و الهيبة، و الإنس و الوحشه، و القبض و البسط، و ما أشبه ذلك.
هذه الفنون التي أخذتها الملة الإسلامية منه و قد احتوى على علوم أخر من علوم الأوائل مثل الطب، و الجدل، و الهيئة، و الهندسة، و الجبر و المقابلة، و النجامة، و غير ذلك.
أما الطب فمداره علي حفظ الصحة، و استحكام القوة، و ذلك إنما يكون باعتدال المزاج، بتفاعل الكيفيات المتضادة، و قد جمع ذلك في آية واحدة؛ و هي قوله: وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً [الفرقان: ٦٧] و عرفنا فيه بما يعيد نظام الصحة بعد اختلاله، و حدوث الصفاء للبدن بعد اعتلاله، في قوله تعالى: شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [النحل: ٦٩] ثم زاد على طب الأجسام بطب القلوب، و شفاء الصدور.
و أما الهيئة ففي تضاعيف سوره من الآيات التي ذكر ملكوت السماوات و الأرض، و ما بث في العالم العلوي و السفلي، من البراهين و المقدمات و نتائج المخلوقات.
و أما الهندسة ففي قوله: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [المرسلات: ٣٠] الآية.
و أما الجدل فقد حوت آياته من البراهن و المقدمات و النتائج، و القول بالموجب و المعارضة، و غير ذلك شيئا كثيرا. و مناظرة إبراهيم نمرود و محاجته قومه أصل في ذلك عظيم.