نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٨٥ - ذكر تلقي رسول اللّه
ذكر تلقي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عند إيابه
معروف خبر انشاد غلمان الأنصار بالدف و الألحان عند قدوم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):
طلع البدر علينا * * * من ثنيّات الوداع
وجب الشكر علينا * * * ما دعا للّه داع
قلت هذا الشعر أنشد عند قدومه (صلى الله عليه و سلم) المدينة، رواه البيهقي في الدلائل، و أبو بكر المقري في كتاب الشمائل، له عن ابن عائشة. و ذكر الطبري في الرياض عن أبي الفضل الجمحي قال: سمعت ابن عائشة يقول أراه عن أبيه فذكره. و قال: خرّجه الحلواني على شرط الشيخين. و راجع المواهب و شرحها ص ٤١٧ من ج ١.
و في الكلام على غزوة تبوك من المواهب: و لما دنا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من المدينة خرج الناس لتلقيه، و خرج النساء و الصبيان و الولائد يقلن: طلع البدر علينا. و قد وهم بعض الرواة فقال: إنما كان هذا عند مقدمه المدينة، و هو وهم ظاهر؛ لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة و لا يراها إلا إذا توجه إلى الشام كما قدمت ذلك ا ه.
قال الزرقاني: و قد تقدم أن الولي العراقي قال: يحتمل أن الثنية التي من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها ثنية الوداع. و قدمت أن هذا يؤيده جمع الثنيات، إذ لو كان المراد التي من جهة الشام لم يجمع. و لا مانع من تعدد وقوع هذا الشعر، مرة عند الهجرة و مرة عند قدومه من تبوك، فلا يحكم بغلط ابن عائشة لأنه ثقة. و انظر فتح الباري في الهجرة و غزوة تبوك. و زاد المعاد.
و ذكر المطرزي في اليواقيت عن ابن عباس قال: لما قدم المدينة النبي (صلى الله عليه و سلم) استقبلته بنات الأنصار بأيديهن الدفوف يضربن بها و يقلن:
نحن جوار من بني النجار * * * يا حبذا محمد من جار
و خرّج الترمذي عن عبد اللّه بن بريدة قال: سمعت بريدة يقول: «خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول اللّه إني كنت نذرت إن ردك اللّه صالحا أن أضرب بين يديك بالدف و أتغنى، فقال لها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إن كنت نذرت فاضربي و إلا فلا. فجعلت تضرب». قال الترمذي: حسن صحيح [١].
قال التوربشتى كما في قوت المغتذي على جامع الترمذي: إنما مكّنها من ضربه بين يديه إذ نذرت. فدل نذرها على أنها عدّت انصرافه على حال السلامة نعمة من نعم اللّه عليها؛ فانقلب الأمر فيه من صفة اللهو إلى صفة الحق و من المكروه إلى المستحب ا ه.
[١] انظر كتاب المناقب ج ٥ ص ٦٢٠ رقم الحديث ٣٦٩٠.