نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٨٤ - ذكر من غنّى في وليمة النكاح
أن ابن السكن خرج قال: دخل علينا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قد تزوجت، فقال: هل من لهو؟.
و ترجم البخاري [١] في الصحيح: باب ضرب الدف في النكاح و الوليمة ثم خرج عن الربيّع بن معوذ بن عفراء قالت: جاء النبي (صلى الله عليه و سلم) يدخل حين بني عليّ فجلس على فراشي فجعلت جويريات يضربن في الدف و يندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن:
و فينا نبيّ يعلم ما في غد.
فقال: دعي هذه و قولي الذي كنت تقولين.
قال الحافظ في الفتح على قوله: جويريات لم أقف على أسمائهن، و وقع في رواية حماد بن سلمة بلفظ: جاريتان تغنيان، فيحتمل أن تكون اثنتان هما المغنيتان، و معهما من يتبعهما، أو يساعدهما في ضرب الدف من غير غناء. و قال: قوله: و يندبن من الندبة، و هي ذكر أوصاف الميت بالثناء عليه، و تعديد محاسنه من الكرم و الشجاعة و نحوها. و قال:
قوله: و قولي بالتي كنت تقولين فيه إشارة إلى جواز سماع المدح، و المرثية مما ليس فيه مبالغة، تفضي إلى الغلو.
و أخرج الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث عائشة: أن النبي (صلى الله عليه و سلم) مرّ بنساء من الأنصار في عرس لهن و هنّ يغنين:
و أهدى لها كبشا تنحنح في المربد * * * و زوجك في البادي و يعلم ما في غد
فقال: لا يعلم ما في غد إلا اللّه. قال المهلب: في هذا الحديث اعلان النكاح بالدف و بالغناء المباح. و فيه إقبال الإمام إلى العرس، و إن كان فيه لهو ما لم يخرج عن حد المباح، و فيه جواز مدح الرجل في وجهه، ما لم يخرج إلى ما ليس فيه.
و أغرب ابن التين فقال: إنما نهاها لأن مدحه حق و المطلوب في النكاح اللهو، فلما أدخلت الجد في اللهو منعها. كذا قال. و تمام الخبر الذي أشرت إليه يرد عليه. و سياق القصة يدل على أنها لو استمرت على المراثي لم ينهها. و إنما أنكر عليها ما ذكر من الأطراء حيث أطلق علم الغيب عليه، و هو صفة تختص باللّه كما قال تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥] و قوله: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعراف: ١٨٨] و قوله: وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ [الأعراف: ١٨٨] و سائر ما كان النبي (صلى الله عليه و سلم) يخبر به من الغيوب بإعلام اللّه تعالى له، لا أنه يستقل بعلم ذلك، كما قال تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الجن: ٢٦، ٢٧].
[١] الحديث في البخاري ص ١٢٧ ج ٦ باب النكاح.