نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٩٥ - باب في حديث ابن أبي هالة
عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، لا يجاوز إلى غيره، الذين يلونه من الناس خيارهم، و أفضلهم عنده أعمهم نصيحة، و أعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة، و موازرة.
فسألته عن مجلسه عما كان يصنع فيه؟ فقال:
كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لا يجلس و لا يقوم إلا على ذكر، و يوطيء الأماكن و ينهى عن إيطائها، و إذا انتهى إلى القوم يجلس حيث ينتهي به المجلس، و يأمر بذلك و يعطي كل جلسائه نصيبه، حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قام منه لحاجة سايره حتى يكون هو المنصرف عنه، من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، و قد وسع الناس بسطه و خلقه، فصار لهم أبا، و صاروا عنده في الحق متقاربين، متفاضلين فيه بالتقوى و في الرواية الأخرى و صاروا عنده في الحق سواء مجلسه مجلس حلم و حياء، و صبر و أمانة، لا ترفع فيه الأصوات، و لا تؤبن [كذا] فيه الحرم، و لا تتنى [كذا] فلتاته، يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين، يوقرون فيه الكبير، و يرحمون الصغير، و يرفدون ذا الحاجة، و يرحمون الغريب.
فسألته عن سيرته (صلى الله عليه و سلم) في جلسائه فقال:
كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) دائم البشر سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ و لا غليظ، و لا سخّاب و لا فحّاش، و لا عيّاب، و لا مزّاح، يتغافل عما لا يشتهي، و لا يؤيس منه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، و الإكثار، و ما لا يعنيه، و ترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا، و لا يعيره، و لا يطلب عورته، و لا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رءوسهم الطير، و إذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه و يتعجب مما يتعجبون منه، و يصبر للغريب على الجفوة في المنطق، و يقول: إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها، فأرفدوه، و لا يطلب الثناء إلا من مكافئ، و لا يقطع على أحد حديثه، حتى يتجاوزه فيقطعه بانتهاء، أو قيام هنا انتهى حديث سفيان بن وكيع.
و زاد الآخر: قلت: كيف كان سكوته (صلى الله عليه و سلم)؟
قال: كان سكوته على أربع: على الحلم، و الحذر، و التقدير، و التفكر، فأما تقديره ففي تسوية النظر، و الاستماع من الناس، و أما تفكره ففيما يبقى و يفنى، و جمع له الحلم و الصبر (صلى الله عليه و سلم)، فكان لا يغضبه شيء يستفزه، و جمع له في الحذر أربع: أخذه بالحسن ليقتدى به، و تركه القبيح لينهى عنه، و اجتهاد الرأي بما أصلح أمته، و القيام لهم بما جمع لهم من أمر الدنيا و الآخرة.
قال القاضي أبو بكر ابن العربي في القواصم و العواصم و منها نقلت: أخبرني أبو القاسم بن المنفوخ بزقاق القناديل، أنه سمع من رضوان الفيلسوف يقول: حين قرأت عليه