نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٩٨ - حبس الطير للعب الصبيان به
فراخ العصافير. قال عياض: و الراجح أنه طائر أحمر المنقار، و أهل المدينة يسمونه البلبل.
و قد أكثر الناس من استنباط الأحكام من هذا الحديث، و زاد أبو العباس بن القاص من الشافعية على مائة، و أفردها في جزء و قال ابن غازي: حدثني أبو الحسن ابن منون أنه بلغه أنه أي ابن الصباغ أملى في درسه بمكناس على حديث أبي عمير ما فعل النغير أربعمائة فائدة. و كان آخر ما أقرأ بها. قال و كنت تأملت هذا الحديث فانقدح لي زهاء مائتين و خمسين من الفوائد، فقيّدت رسومها و لم أجد فراغا لبسطها: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها ا ه و انظر ج ٤ من نفح الطيب، و ترجمة أبي عبد اللّه بن الصباغ المكناسي من كفاية المحتاج لأبي العباس السوداني.
و قال ابن غازي أيضا في حواشيه على الصحيح: مرّ بنا أن بعض العلماء استنبط منها زهاء ثلاثمائة فائدة، و سمعت من يذكر عن أبي الفضل ابن الصباغ المكناسي بلديّنا أكثر من ذلك، و كنت أعملت فيه الفكر فرسمت في مبيضة فوائد ما يزيد على المائتين، إلا أنها لا يخلو بعضها من تداخل و اللّه أعلم ا ه.
و في حواشي ابن الشاط على مسلم لدى حديث الترجمة عن عياض فيه جواز لعب الصغير بالطّير، و معنى هذا اللعب عند العلماء إمساكه و تلهيته بمسكه لا بتعذيبه و عبثه.
و قال الشيخ أبو علي بن رحال في باب الغصب، بعد أن ذكر أنه أخذ من المدونة جواز حبس الطير في القفص ما نصه: و ما ذكر من حبس الطير إنما هو إذا لم يكن فيه تعذيب أو تجويع أو تعطيش، و لو بمظنة الغافلة عنه، أو بحبسه مع طير آخر ينقب رأسه، كما تفعله الديوك في الأقفاص، ينقب بعضها رأس بعض، حتى إن الديك يقتل آخر و هذا كله حرام بإجماع؛ لأن تعذيب الحيوان لغير فائدة لا يختلف في تحريمه. و الفائدة يتأتى وجودها بلا تعذيب، و هذا إن كان يحبسه وحده أو مع لا ينقبه، أو يعمل بينهما حائلا، بحيث لا يصل بعضه إلى بعض، و يتفقده بالأكل و الشرب، كما يتفقد أولاده و يضع للطير ما يركب عليه كخشبة. و أما أن يضعه على الأرض بلا شيء فذلك يضر به غاية في البرد. و هذه الأمور لا تحتاج إلى جلب نص فيها لوضوحها، و كم رأينا من يعذب الدجاج في الأقفاص على وجوه مختلفة من أنواع العذاب، و كذا حبس الكبش بلا أكل و لا شرب أو بغل، يربطه في موضع و يغلق عليه حتى يكاد يموت جوعا. و من لا رحمة فيه لا يعتبر في الدفع عن الدواب إلا ما يقتلها أو يضعف بدنها. و أما عذابها في نفسها إذا سلمت مما ذكر فلا يبالي به. و ذلك كله حرام و عقوبة في الدنيا و الآخرة إن لم يعف اللّه، فإن هذه الحيوانات غير الإنسان لا تتكلم، فلا تنادي أنها في الحاجة في كذا إن لم تكن رحمة من مالكها. و من مازج الناس و أمعن النظر بقلبه و تفكر و رأى من عذابه الحيوانات من هذه الجهة من لا يسامح فيه، إلا من له مائة رحمة ثم قال: فالحاصل أن هذا باب من العقاب ترك كثير الهروب منه، فينبغي لمن فيه رحمة أن ينبه على هذا كل من لا يعرفه، ثم قال: و كثير من الناس يسمع مثلا أن الطير