نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٢٦ - الباب الأول من المقصد الأول
كالنور من حيث التفت رأيته * * * يهدي إلى عينيك نورا باقيا [١]
كالشمس في كبد السماء و ضوؤها * * * يغشى البلاد مشارقا و مغاربا
و أخرج أبو نعيم و غيره عن عبد الرحمن بن زياد بن انعم قال: قيل لموسى (عليه السلام): يا موسى إنما مثل كتاب أحمد في الكتب بمنزلة وعاء فيه لبن، كلما مخضته أخرجت زبدته.
و قال القاضي أبو بكر بن العربي، في قانون التاويل في علوم القرآن:
خمسون علما و أربعمائة علم و سبعة آلاف و سبعون ألف علم، على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة، إذ لكل كلمة ظهر و بطن و حدّ و مطلع. و هذا مطلق دون اعتبار تركيبه، و ما ينهي من روابط و هذا ما لا يحصى و لا يعلمه إلا اللّه.
قال و أما علوم القرآن ثلاثة: توحيد، و تذكير، و أحكام. فالتوحيد يدخل فيه معرفة المخلوقات و معرفة الخالق بأسمائه و صفاته و أفعاله، و التذكير منه: الوعد، و الوعيد، و الجنة، و النار، و تصفية الظاهر، و الباطن، و الأحكام منها: التكاليف كلها، و المنافع، و المضار، و الأمر و النهي، و الندب. و لذلك كانت الفاتحة أم القرآن. فيها الأقسام الثلاثة.
و سورة الإخلاص ثلثه لاشتمالها على أحد الأقسام الثلاثة، و هو التوحيد.
و قال ابن جرير: القرآن يشتمل على ثلاثة أشياء التوحيد و الأخبار و الديانات. و لهذا كانت سورة الإخلاص ثلثه؛ لأنها تشمل التوحيد كله.
و قال علي بن عيسى: القرآن يشتمل على ثلاثين شيئا؛ الأعلام و التنبيه و الأمر و النهي و الوعيد، و وصف الجنة و النار، و تعليم الأقرار بسم اللّه و بصفاته و أفعاله، و تعليم الاعتراف بإنعامه، و الاحتجاج على المخالفين، و الرد على الملحدين، و البيان عن الرغبة و الرهبة، و الخير و الشر، و الحسن و القبيح، و نعت الحكمة و فضل المعرفة، و مدح الأبرار و ذم الفجار، و التسليم و التحسر، و التوكيد و التفريع. و البيان عن ذم الأخلاق، و شرف الآداب، و على التحقيق أن تلك الثلاثة التي قالها ابن جرير. تشمل هذه كلها بل أضعافها فإن القرآن لا يدرك و لا تحصى عجائبه.
و أنا أقول: قد اشتمل كتاب اللّه على كل شيء، أما أنواع العلوم، فليس فيها باب و لا مسألة هي أصل إلّا و هي في القرآن الكريم، و فيه ما يدل عليها، و فيه عجائب المخلوقات، و ملكوت السموات و الأرض، و ما في الأفق الأعلى، و تحت الثرى، و بدء الخلق، و أسماء مشاهير الرسل، و الملائكة، و عيون أخبار الأمم، كالأخبار بقصة آدم مع إبليس في إخراجه. من الجنة، و رفع إدريس و إغراق قوم نوح، و قصة عاد الأولى و الثانية، و ثمود، و الناقة و قوم يونس، و قوم شعيب، و الأولين و الآخرين، و قوم لوط، و قوم تبع، و أصحاب الرس، و قصة إبراهيم في مجادلته قومه، و مناظرته نمروذ. و وضعه ابنه إسماعيل مع أمه
[١] كذا في الأصل، و بما أن البيت الثاني قافيته بائية فالصواب أن يقال: ثاقبا.