نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٢ - (المقدمة الخامسة)
لنفسه و لصاحبه، و سراية نفعه إلى عموم الخلق. و أخرج القضاعي عن أنس قال المناوي بإسناد حسن رفعه: التاجر الجبان محروم، و التاجر الجسور مرزوق، و أخرج سعيد بن منصور في سننه عن نعيم بن عبد الرحمن الأزدي و يحيى بن جابر الطائي مرسلا قال المناوي: و رجاله ثقات: تسعة أعشار الرزق في التجارة، و العشر في المواشي. يعني النتاج.
و قال الإمام أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في رسالته في مدح التجار و ذم عمل السلطان: و قد علم المسلمون أن خيرة اللّه من خلقه، و صفوته من عباده، و المؤتمن على وحيه من أهل بيت التجارة، و هي معوّلهم و عليها معتمدهم، و هي صناعة سلفهم و سيرة خلفهم. و بالتجارة كانوا يعرفون. و لذلك قالت كاهنة اليمن: للّه الديار و لقريش التجار، اسم اشتق لهم من التجارة. و التقريش، فهو أفخم أسمائهم و أشرف أنسابهم، و هو الاسم الذي نوّه اللّه به في كتابه، و خصهم به في محكم وحيه و تنزيله، و لهم سوق عكاظ و فيهم يقول أبو ذؤيب:
إذا ضربوا القباب على عكاظ * * * و قام البيع و اجتمع الألوف
و قد بقي النبي (صلى الله عليه و سلم) برهة من دهره تاجرا، و باع و اشترى حاضرا اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] و لم يقسم اللّه مذهبا رضيا و لا خلقا زكيا، و لا عملا مرضيا إلا و خصه منه أوفر الحظوظ، و أقسمه فيه أجزل الأقسام، و لشهرة أمره في البيع و الشراء قال المشركون: ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: ٧] فأوحى اللّه إليه: وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ يَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: ٢٠] فأخبر أن الأنبياء قبله كانت لهم صناعات و تجارات ا ه كلامه انظر بقيته فيه ضمن مجموعة من رسائل الجاحظ طبعت بمصر سنة ١٣٢٤.
و أخرج الديلمي عن ابن عباس: أوصيكم بالتجار خيرا فإنهم برد الآفاق، و أمناء اللّه في الأرض. و هذا كالصريح في تفضيل التجارة على غيرها من المكاسب، و للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن محمد الخلال، كتاب في الحثّ على التجارة، ذكره له ابن سليمان الرداني في صلته، في حرف الجيم، و ذكر إسناده له، و قد استدل كثيرون بحديث الصحيح: (ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) [١]، على أن الزراعة أفضل المكاسب؛ لما فيها من النفع المتعدي. و النفع المتعدي أفضل من القاصر، و قال الحافظ ابن حجر: الصواب أن ذلك يختلف باختلاف الأوقات و الأشخاص ا ه.
و قال بعض الأعلام: و ينبغي أن يختلف التفاضل بين الثلاثة باختلاف الحال؛ فإن
[١] رواه البخاري في كتاب الحرث و المزارعة ص ٦٦ ج ٣ من حديث أنس.