نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٢٢ - الباب الأول من المقصد الأول
و أخرج البيهقي عن الحسن قال: أنزل اللّه مائة و أربعة كتب، أودع علومها أربعة منها: التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان. ثم أودع علوم الثلاثة الفرقان و قال الإمام الشافعي (رضي الله عنه): جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة و جميع ما تقوله السنة شرح للقرآن، و قال أيضا: جميع ما حكم به النبي (صلى الله عليه و سلم) فهو مما فهمه من القرآن.
و يؤيد هذا قوله (صلى الله عليه و سلم): إني لا أحل إلا ما أحل اللّه و لا أحرم إلا ما حرم اللّه في كتابه، أخرجه بهذا اللفظ الشافعي في الأم. و قال الشافعي أيضا: ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب اللّه الدليل على سبيل الهدى فيها، و قليل من الأحكام ما تثبت بالسنة ابتداء.
قلت: ذلك مأخوذ من كتاب اللّه في الحقيقة، لأن كتاب اللّه أوجب علينا اتباع الرسول. و فرض علينا الأخذ بقوله.
و قال الشافعي مرة بمكة: سلوني عما شئتم أخبركم عنه من كتاب اللّه. فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: بسم اللّه الرحمن الرحيم، وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] و حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر و عمر. و حدثنا سفيان عن مسعر بن كدام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب أنه أمر بقتل المحرم الزنبور.
و أخرج البخاري عن ابن مسعود قال: لعن اللّه الواشمات و المستوشمات و المتفلجات للحسن، المغيّرات لخلق اللّه تعالى. فبلغ ذلك لامرأة من بني أسد فقالت له: بلغني عنك أنك لعنت كيت و كيت. فقال: و ما لي لا ألعن من لعنه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و هو في كتاب اللّه.
فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول! قال لئن كنت قرأته، لقد وجدته، أ ما قرأت وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] قالت:
بلى فقال: إنه نهى عنه.
و حكى ابن سراقه في كتاب الإعجاز عن أبي بكر بن مجاهد أنه قال يوما: ما من شيء في العالم إلا و هو في كتاب اللّه. فقيل له: فإن ذكر الخانات فيه؟ فقال في قوله:
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ [النور: ٢٩] فهي الخانات.
و قال بعضهم ما من شيء إلا و يمكن استخراجه من القرآن لمن فهّمه اللّه تعالى، حتى إن بعضهم استنبط عمر النبي (صلى الله عليه و سلم) ثلاثا و ستين سنة، من قوله: وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها [المنافقين: ١١] فإنّها رأس ثلاث و ستين سورة. و عقبها التغابن ليظهر التغابن في فقده.
و قال ابن أبي الفضل المرسي في تفسيره: جمع القرآن علوم الأولين و الآخرين بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلا المتكلم بها حقيقة، ثم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، خلا ما أستأثر به