نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٧٢ - باب في ذكر أئمة الفتوى من الصحابة
أبي ربيعة [١] و لم يكن سمعها إلا تلك المرة فوعاها، فلا جرم أن كان صدره خزانة العرب، إليه مرجعهم في التفسير و الحديث، و الحلال و الحرام، و العربية و الشعر، و لو صحت نسبة ما رواه بعض الرواة عن الزهري، عن عكرمة عن ابن عباس، أنه قال: يولد في كل سبعين سنة من يحفظ كل شيء، لكان ابن عباس نفسه صاحب السبعين الأولى في الإسلام، و أما إن كان الخبر من أكاذيب عكرمة، فيكون قد وصف به أستاذه ابن عباس أصدق الوصف، على مبالغة فيه خبيثة.
باب في ذكر أئمة الفتوى من الصحابة
المكثرون منهم إفتاء سبعة عمر و علي و ابن مسعود و ابن عمر و ابن عباس و زيد بن ثابت و عائشة. قال ابن حزم: و يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد من هؤلاء مجلد ضخم، و يلي هؤلاء السبعة في الفتوى عشرون: أبو بكر و عثمان و أبو موسى، و معاذ و سعد بن أبي وقاص و أبو هريرة و أنس و عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و سلمان و جابر و أبو سعيد، و طلحة و الزبير و عبد الرحمن بن عوف، و عمران بن حصين، و أبو بكرة، و عبادة بن الصامت، و ابن الزبير، و أم سلمة، قال: و يمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم جزء صغير، و في الصحابة نحو مائة و عشرين نفسا مقلّون في الفتيا جدا، لا تروى عن الواحد منهم إلا المسألة و المسألتان و الثلاث؛ كأبيّ ابن كعب، و أبي الدرداء، و أبي طلحة، و المقداد و سرد الباقين. قال: و يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم بعد البحث جزء صغير.
قاله السخاوي. في فتح المغيث، و السيوطي في تدريب الراوي.
و في ترجمة بقي بن مخلد حافظ الأندلس و فخرها من تاريخ ابن عساكر: أنه صنف في فتاوي الصحابة و التابعين و من دونهم، حتى أربى فيه على مصنف عبد الرزاق، و سعيد بن منصور، و غيرهم. و انتظم علما عظيما لم يقع في شيء من هذه الكتب فصار هو و غيره من تاليفه قواعد في الإسلام لا نظير لها ا ه انظر اختصاره ص ٢٧٩ ج ٣.
قلت: و بذلك مع ما سيأتي عن ابن القيم عن ابن حزم؛ من أن فتاوي ابن عباس أفردت بسبع مجلدات، تعلم ما في قول النووي في تهذيب الأسماء و اللغات: لم ينقل عن الصحابة إلا مسائل معدودات إذ كانت فتاويهم مقصورة على الوقائع، بل كانوا ينهون عن السؤال عما لم يقع، و كانت همتهم مصروفة إلى جهاد الكفار، لاعلاء كلمة الإسلام، و إلى مجاهدة النفوس و العبادة، الخ لخ. فإن الصحابة في زمنه (عليه السلام) كانوا ينقسمون إلى من يتعلم و يعلم، و إلى من يتجر و يزرع، و لم يكونوا يحاربون على الدوام إلا إذا كان النفير العام في عام من الأعوام، و من كان يفقه المئات و الآلاف و الملايين الذين أسلموا في زمنهم
[١] قصيدة عمر بن أبي ربيعة و مطلعها:
أمن أم أوفى أنت غاد فمبكر * * * غداة غد أو رائح فمهجّر