نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٧١ - باب في كتابة الصحابة للحديث و أمر المصطفى لهم بالتقييد
و أخرج البغوي في معجمه عن يزيد الرقاشي قال: كنا إذا أكثرنا على أنس بن مالك أتانا بمجال له فألقاها إلينا، و قال: هذه أحاديث سمعتها من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و كتبتها و عرضتها. أورده الحافظ السيوطي في التدريب انظر ص ١٤٣ منه.
و قال محمد بن هارون الروياني في مسنده: حدثنا محمد بن زياد ثنا فضيل بن عياض عن عائد عن عبيد اللّه بن علي بن أبي رافع قال: كان ابن عباس يأتي ابن رافع فيقول: ما صنع النبي (صلى الله عليه و سلم) يوم كذا؟ و مع ابن عباس من يكتب ما يقول.
و أخرج ابن سعد في الطبقات عن سلمى قالت: رأيت ابن عباس معه ألواح يكتب عليها عن أبي رافع شيئا من فعل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).
و قال الإمام أبو محمد ابن قتيبة في كتابه مشكل الحديث، بعد أن ذكر أحاديث النهي عن كتابة شيء دون القرآن، و قوله (عليه السلام): قيّدوا العلم بالكتابة فقال: إن في هذا معنيين أحدهما: أن يكون من منسوخ السنة بالسنة؛ كأنه نهى في أول الأمر أن يكتب قوله، ثم رأى بعد لما علم أن السنن تكثر و تفوت الحفظ أن تكتب و تقيد، و المعنى الآخر أن يكون خصّ بهذا عبد اللّه بن عمرو بن العاص، لأنه كان قارئا للكتب المتقدمة، و يكتب بالسريانية و العربية، و كان غيره من الصحابة أميين لا يكتب منهم إلا الواحد و الاثنان. و إذا كتب لم يتقن و لم يصب التهجي، فلما خشي الغلط فيما يكتبون نهاهم، و لما أمن على عبد اللّه بن عمرو ذلك أذن له. ثم أسند مرفوعا أن من أشراط الساعة أن يفيض المال، و يظهر القلم و يفشو التجار قال عمر: و إن كنا لنلتمس في الحواء العظيم (البيوت المجتمعة من الناس على ماء) الكاتب، و يبيع الرجل البيع فيقول: حتى استأمر تاجر بني فلان ا ه [١].
و في الإكليل على قوله تعالى: عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي [طه: ٥٢] أخرج ابن أبي حاتم عن أبي المليح قال: الناس يعيبون علينا الكتابة، و قد قال تعالى: عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسى قال البلقيني: هذا أحسن استنباط لكتابة الحديث و العلم ا ه.
و قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: لما علم الشارع أن حفظ القرآن و السنة يصعب أمر بكتابة المصحف، و كتابة الحديث، فأما القرآن فإن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان إذا نزلت عليه الآية دعا بالكاتب فأثبتها، و كانوا يكتبونها في العسب، و الحجارة و عظم الكتف، ثم جمع القرآن بعده في المصحف أبو بكر صونا عليه ثم نسخ من ذلك عثمان و بقية الصحابة، و كل ذلك لحفظ القرآن لئلا يشذ منه شيء. و أما السنة فإن النبي (صلى الله عليه و سلم) قصر الناس في بداية الإسلام على القرآن، و قال: لا تكتبوا عني سوى القرآن، فلما كثرت الأحاديث و رأى قلة ضبطهم أذن لهم في الكتابة، ثم ذكر قول المصطفى (صلى الله عليه و سلم) لأبي هريرة في رواية: لما شكا إليه قلة الحفظ: استعن على حفظك بيمينك يعني الكتابة. ثم ذكر حديث قيّدوا العلم بالكتابة انظر بقيته فيه.
[١] انظر كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص ٢٨٦ المطبوع ١٩٦٦ بمصر.