نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٣٦ - الزراعة و الغراسة
أولها: كي لا يزاحم المسلمون أهل الذمة و العهد في أرضهم، و يضيقوا عليهم في معيشتهم.
و الأمر الثاني: كي لا يألف الجنود العمل في الأرض في إبان الفتح فتميل نفوسهم إلى الراحة من عناء الحرب، و الأمة حربية لم يأن لها أطراح لأمة القتال و اعتزال الحرب [١].
الثالث: كي تبقى الأرض بيد أهلها مادة تستمد منها الدولة ما يقوم بشئونها العسكرية و الإدارية، و لا يحتكرها المقتطعون من الجند.
و في العتبية؛ قال مالك عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن الخطاب كان يقول: من كانت له أرض فليعمرها، و من كان له مال فليصلحه فيوشك أن يأتي من لا يعطي إلا من أحب.
قال ابن رشد في البيان و التحصيل: إنما أوصى بحفظ أموالهم بالقيام عليها مخافة أن يضيعوها اتكالا منهم علي أعطيات الإمام. و قد نهى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عن إضاعة المال، و هذا من إضاعة المال ا ه.
و قد وقع في المدونة و العتبية أنه كان بين رجلين من الصحابة خصومة في أرض لهما فركب عثمان أيام خلافته و ركب معه رجال، فلما ساروا قال له رجل: إن عمر قد قضى فيه فقال عثمان: ما أنظر في أمر قضى فيه عمر فرجع.
قال ابن رشد في البيان و التحصيل أيضا: و كانت الخصومة بين علي بن أبي طالب و طلحة في ضفير سد بفحة [كذا] من الوادي بين ضيعتهما، فوكل علي عبد اللّه بن جعفر فتنازعا فيه الخصومة بين يدي عثمان، فركب من الغد في المهاجرين و الأنصار ثم رجع لما بلغه أن عمر كان ذلك في أيامه. فلما أخبر بذلك عبد اللّه بن جعفر عليا قال له قم الآن إلى طلحة فقل له: إن الضفير لك فاصنع به ما بدا لك، فأتيته فأخبرته فسر بذلك، ثم دعا بردائه و نعليه و قام معي حتى دخلنا على علي فرحب به و قال: الضفير لك فاصنع به ما بدا لك. فقال قد قبلت و بي حاجة فقال علي ما هي؟ قال طلحة: أحب أن تقبل الضيعة مني مع من فيها من الغلمان و الدواب و الآلة قال علي: قد قبلت قال: ففرح طلحة و تعانقا و تفرقا قال عبد اللّه: لا أدري أيهما أكرم أ علي إذ جاد بالضفير أم طلحة إذ جاد بالضيعة بعد ضنه بمسقاه؟ ا ه.
فهذا يدل على أن الحراثة كانت شائعة و بلغ الاهتمام بها إلى درجة الخصومة فيها من مثل علي و طلحة، و توكيل علي ابن أخيه و خروج الخليفة في المهاجرين و الأنصار للفصل فيها.
[١] هذا هو السبب في كراهة الزراعة للعرب الفاتحين فمهمتهم هي الحفاظ على البلاد المفتوحة و الاستعداد الدائم للجهاد، و بالزراعة يتخلون عن واجبهم الذي كانوا يتقاضون عنه العطاء و اللّه أعلم. مصححه.