نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٣٥ - الزراعة و الغراسة
و في السير أنه (عليه السلام) كان يعجبه الجلوس في الحيطان (البساتين) و الصلاة فيها.
و قد روى ابن سعد و ابن المنذر قال في الفتح بإسناد صحيح: عن مسروق عن عائشة قالت: لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه قال: انظروا ما زاد في مالي منذ دخلت الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي، فلما مات نظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه، و ناضح كان يسقي بستانا له، ففيه أنه كان له بستان، و إنه كان يقوم عليه بالرعاية. و قال الإمام السخاوي: و قد تكون الكثرة التي دعا بها النبي (صلى الله عليه و سلم) لأنس: باللهم أكثر ماله و ولده هي الكثرة من المواشي، و كذا من الزرع و الغرس، الذي قال (صلى الله عليه و سلم) فيه كما في صحيح مسلم: ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة، و ذلك كان أكثر أموال الأنصار.
و يستأنس له بما ورد أنه كان له بستان يحمل في السنة مرتين، و كان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك ا ه.
و في ترجمة ربيعة بن كعب الأسلمي من طبقات ابن سعد قصة عجيبة تدل على اهتمام كبار الصحابة بالأرض و غلتها و ثمرها قال: أنا مسلم بن إبراهيم قال ثنا الحارث بن عبيد، ثنا أبو عمران الجوني أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أقطع أبا بكر و ربيعة الأسلمي أرضا فيها نخلة مائلة أصلها في أرض ربيعة و فرعها في أرض أبي بكر، فقال أبو بكر: هي لي و قال ربيعة:
هي لي، حتى أسرع إليه أبو بكر ثم انطلق إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و بدره ربيعة فقال له النبي (صلى الله عليه و سلم): أجل فلا ترد عليه. قال فحوّل أبو بكر وجهه إلى الحائط يبكي قال: و قضى النبي (صلى الله عليه و سلم) بالفرع لمن له الأصل انظر ترجمة ربيعة بن كعب الأسلمي ص ٤٤ من ج ٤ و يظهر أن أبا بكر بكى على عدم إصابة ظنه أولا، و تسرعه إلى طلب ما لا حقّ له فيه حتى احتاج إلى التداعي و الترافع إليه (عليه السلام).
و في خطط المقريزي ص ١٥٤ من ج ١ أن سيدنا عمر قال: من كانت له أرض ثم تركها ثلاث سنوات لا يعمرها، فعمرها قوم آخرون فهم أحق بها و نحوه في صناجة الطرب في تقدمات العرب، و زاد و وصل النيل لجون العرب بواسطة خليج القلزم كما كان صنع البطالسة و الفراعنة، و خصص ثلث إيراد مصر لعمل الجسور و الترع لإرواء الأرضي ا ه انظر ص ٣٠٦ منها.
قلت: يؤخذ أن عمر خصص ثلث إيراد مصر، لعمل الجسور و الترع لإصلاح الري من التقرير الجغرافي الذي بعثه عمرو بن العاص لسيدنا عمر، و قد أثبتناه بنصه في القسم العاشر العلمي، و انظره و لا بد بذلك تعلم أيضا أنه كان من مبدأ عمر تقوية الزراعة و تنشيط الزراع، و أما ما جاء في ترجمته من أنه كان تقدم للعمال بأن لا يأذنوا لأحد من جنود المسلمين أن يزرع أو يزارع في البلاد المفتوحة كما في تاريخ ابن جرير و غيره و أن لا يقطعوا أرضا لأحد منهم البتة، فذلك لأمور.