نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٠٩ - باب في رواج علم الفرائض في الزمن النبوي و حضه
قلت: مراده ببعض المتأخرين الولي ابن خالدون؛ فإنه الذي بحث بما ذكر في مقدمة العبر، و بحث السيتاني معه بمن ذكر الحديث في أبواب المواريث من أئمة السلف وجيه، و ناهيك بالإمام الترمذي فقد ترجم أبواب الفرائض، ثم ترجم بقوله: باب ما جاء فيمن ترك مالا فلورثته، ثم ترجم ثانيا بقوله: باب ما جاء في تعليم الفرائض، و ذكر حديث الترجمة.
و كذا ابن ماجه و غيره.
و ناهيك بقرين البخاري أبي محمد الدارمي فإنه بوّب في مسنده كتاب الفرائض، و ذكر عدة آثار عن الصحابة في ذلك، و قد قدمناها أول الترجمة. و ذلك أعظم دليل على أن اطلاق علم المواريث على علم الفرائض قديم الاستعمال.
و في نهاية ابن الأثير على حديث ابن عمر: العلم ثلاثة منها فريضة عادلة، يريد العدل في القسمة بحيث تكون على السهام و الأنصباء المذكورة في الكتاب و السنة، و قيل: إنه أراد أن تكون مستنبطة من الكتاب و السنة، و إن لم يرد بها نص فيهما. فتكون عادلة للنص، و قيل: الفريضة العادلة ما اتفق عليه المسلمون ا ه.
و قال بعض شيوخنا- رادا على ابن خالدون- قوله في آخر الحديث في رواية النسائي: حتى يختلف الاثنان في الفرائض فلا يجدان من يفصل بينهما، و قوله تعالى:
فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ [النساء: ١١] و قوله في الحديث الآخر: و أعلمكم بالفرائض زيد بن ثابت، يبعد ما قاله ابن خالدون و يرجح ما لغيره و قوله: إنما هو اصطلاح ناشئ للفقهاء في محل المنع ا ه.
أما المناوي في التيسير؛ فإنه ذكر الحديث على الاحتمالين قائلا: قيل: المراد بالفرائض هنا علم المواريث، و قيل: ما افترض اللّه على عباده بقرينة ذكر القرآن ا ه و كذا فعل صاحب مجمع بحار الأنوار، مع ميلانه لكلام ابن خالدون و اللّه أعلم، بل وجدت الشيخ أبا علي ابن رحال، قال في شرحه على المختصر، إثر كلام السيتاني: ما قاله ابن خالدون هو الحق، و العلم عند اللّه. قال: و يكون المراد بالحديث الحض على الاعتناء بالواجبات، و الواجبات نصف العلم؛ باعتبار المندوب و ترك المحرم واجب و ترك المكروه مندوب و الجائز قد علمت ما ذكر فيه أهل الأصول، و هاته الآثار التي أشار لها السيتاني يشترط في الاحتجاج بها صحتها، و يشهد بذلك أرباب الفن من المحدثين فافهم ا ه و هو كما علمت ساقط بمن بوّب على الحديث في أبواب التركات؛ كالدارمي، و ابن ماجه، و الترمذي، و غيرهم. و الاحتجاج قد يكون بالحسن اتفاقا. نعم. قال أبو علي ابن رحال:
حديث حسن السؤال نصف العلم معناه: و العلم عند اللّه و إن لم يشر إليه السيتاني و لا غيره ممن وقفت عليه؛ أن المراد بالعلم، العلم الذي وقع عليه السؤال. كما إذا قال إنسان لعالم: ما حكم الوتر هل الوجوب أو الندب فيقول له العالم مثلا: هو الوجوب أو الندب فسؤال الرجل: هو نصف هذا العلم الذي أجيب به، إذ بسؤاله ظهر هذا الحكم مع إجابة