نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٠٧ - باب في رواج علم الفرائض في الزمن النبوي و حضه
و في تحفة الناظر للعقباني، نقلا عن جامع المستخرجة قال؛ و حدثني أنه بلغه أن ابن مسعود كان يقول: إذا لم يحكم أحدكم الفرائض، و سنة الحج و الطلاق، فما فضله على أهل البادية؟.
قال ابن رشد: المعنى في هذا بيّن. لأن أهل البادية أهل جهالة، فإنما فضلهم أهل الحاضرة بمعرفتهم بأمور الدين، قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة: ١١] ا ه.
و قال ابن العربي في الأحكام: كان علم الفرائض جل علم الصحابة، و عظيم مناظرتهم، و سماه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) نصف العلم. مبالغة في الثناء على عظيم فائدته، و تحريكا للنفوس على المبادرة إلى تحصيله، حتى كأنه بشرفه نصف جميع ما يتعلم من العلوم، و روى أصحاب مالك عنه أنه قال: لا يكون الرجل عالما مفتيا حتى يحكم الفرائض و النكاح، و الطلاق و الإيمان، قال ابن العربي: إشارة إلى عظم منازل هذه الأصول في الدين، و عموم وقوعها بين المسلمين. و قال المتيطي [كذا] في نهايته بعد ذكر بعض الأحاديث: و قد حض على تعليم الفرائض جماعة من الصحابة و التابعين ا ه.
و قال أبو إسحاق إبراهيم بن أبي بكر التلمساني: الرسقي نزيل سبتة، في رجزه في الفرائض المشهور (رحمه الله):
و خصّنا بالمصطفى محمد * * * هادي الأنام للطريق الأرشد
فبيّن الحلال و الحراما * * * و فصّل الحدود و الأحكاما
و حضّ في تعليم علم الفرض * * * صلّى عليه اللّه أيّ حضّ
و قال في ذاك: تعلموه * * * ثم جميع الناس علّموه
جعله من العلوم شطرا * * * فهو أجل كل علم قدرا
و هو الضروري بلا محالة * * * أرى عليّ فرضا انتحاله
إذ ليس يخلو الدهر بالحدوث * * * من وارث في الناس أو موروث
قال الإمام أبو يوسف يعقوب بن موسى السيتاني في شرحها: و قوله (عليه السلام):
نصف العلم؛ مما يدل على تأكيدها على غيرها، من سائر العلوم سواها و تشريفها عليها، و لأجل أنها بهذه المنزلة الشريفة أمر الإنسان ببذل المجهود في تحصيلها، و أمر أيضا بعد تحصيلها ببذلها لجميع الناس. ثم قال: أورد على قوله (عليه السلام): نصف العلم سؤالان.
أنه قال في الفرائض: إنها نصف العلم، و قال حسن السؤال نصف العلم، [١] و الشيء لا يكون له أكثر من نصفين؟ و الذي بقي أضعاف ما اندرج بكثير. و ثانيهما: أن مسائل
[١] ورد في كشف الخفاء هذا الحديث هكذا: (الاقتصاد في النفقة نصغ المعيشة و التودد إلى الناس نصف العقل، و حسن السؤال نصف العلم) و عزاه للبيهقي و العسكري و غيرهما عن ابن عمرو مرفوعا و ضعفه البيهقي. الخ ما علق عليه.