تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٢٤ - سورة البقرة
خمدت فبقوا متحيّرين متحسّرين على فوت الضّوء» ، و على هذا فيكون «ذَهَبَ اَللََّهُ بِنُورِهِمْ» كلاما مستأنفا، كأنّهم لمّا شبّهت حالهم بحال المستوقد، اعترض سائل فقال: ما بالهم قد أشبهت [١] حالهم حال هذا [٢] المستوقد!، فقيل له: «ذَهَبَ اَللََّهُ بِنُورِهِمْ» .
و يجوز أن يكون قوله: «ذَهَبَ اَللََّهُ بِنُورِهِمْ» بدلا من جملة التّمثيل على سبيل البيان.
و الفرق بين أذهبه و ذهب به أنّ معنى أذهبه: أزاله و جعله ذاهبا، و ذهب به: استصحبه و مضى به معه، قال: «فَلَمََّا ذَهَبُوا بِهِ» [٣] فالمعنى أخذ اللّه نورهم و أمسكه، وَ مََا يُمْسِكْ اللّه فَلاََ مُرْسِلَ لَهُ ، فهو أبلغ من الإذهاب و «ترك» بمعنى طرح و خلّى، قالوا: «تركه ترك الظّبى ظلّه» ، فإذا ضمّن معنى صيّر تعدّى إلى مفعولين [٤] ، و جرى مجرى أفعال القلوب، نحو قول عنترة:
فتركته جزر السّباع ينشنه # يقضمن حسن بنانه و المعصم [٥]
و المراد بالإضائة [٦] انتفاع المنافقين بالكلمة المجراة على ألسنتهم، و وراء استضائتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النّفاق الّذى يرمى [٧] بهم إلى ظلمة سخط اللّه و العقاب الدّائم. و يجوز أن يكون قد شبّه اطّلاع اللّه على أسرارهم بذهاب اللّه بنورهم. و وجه آخر: و هو أنّهم لمّا وصفوا باشتراء الضّلالة بالهدى، عقّب ذلك بهذا التّمثيل، ليمثّل هداهم الّذى باعوه، بالنّار المضيئة ما حول المستوقد، و الضّلالة الّتى اشتروها، بذهاب اللّه بنورهم [٨] .
كانت حواسّهم صحيحة لكنّهم لمّا أبوا أن يصيخوا [٩] مسامعهم [١٠] إلى
[١]هـ: شبهت.
[٢]هـ: -هذا.
[٣]١٢/١٥.
[٤]د: المفعولين.
[٥]الجزر: الشّاة أو النّاقة تذبح و تنحر، ينشنه: يتناولنه بالأكل، يقضمن: القضم: أكل الشّيء اليابس، المعصم:
موضع السّوار من اليد. (تاريخ الآداب العربية ص ٦٠) و في نسخة ب: نباته مكان بنانه.
[٦]ب: بالاضافة.
[٧]ب: الّتى ترمى.
[٨]هـ: نورهم. (٩) . -أصاخ له: استمع، (القاموس مادة صاخ) . (١٠) . -هـ: يصخوا سامعهم.