تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٢٣ - سورة البقرة
معنى اشتراء الضّلالة بالهدى اختيارها عليه و استبدالها به على سبيل الاستعارة، لأنّ الاشتراء فيه إعطاء بدل و أخذ آخر. و الضّلالة: الجور عن القصد، و في المثل: «ضلّ دريص نفقه» [١] ، فاستعير للذّهاب عن الصّواب في الدّين. و «الرّبح» :
الفضل [٢] على رأس المال. و أسند الخسران إلى التّجارة مجازا، و المعنى أنّ المطلوب فى التّجارة سلامة رأس المال و الرّبح، و هؤلاء قد أضاعوا الطّلبتين [٣] معا، لأنّ رأس المال كان هو الهدى فلم يبق لهم، و لم يصيبوا الرّبح لأنّ الضّالّ خاسر.
ثمّ زاد-سبحانه-فى الكشف عن حالهم بضرب المثل، فقال:
«مَثَلُهُمْ» أي حالهم كحال «اَلَّذِي اِسْتَوْقَدَ نََاراً» ، وضع «اَلَّذِي» موضع الّذين كقوله- سبحانه- «وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خََاضُوا» [٤] أو قصد جنس المستوقدين، أو أراد الجمع اَلَّذِي اِسْتَوْقَدَ نََاراً . على أنّ المنافقين لم تشبّه [٥] ذواتهم بذات [٦] المستوقد، بل شبّهت قصّتهم بقصّة المستوقد، فلا يلزم تشبيه الجماعة بالواحد. و اِسْتَوْقَدَ : طلب الوقود، و الوقود: سطوع النّار و ارتفاع لهبها. و الإضاءة: فرط الإنارة، و هي متعدّية في الآية، و يحتمل أن يكون [٧] غير متعدّية مسندة إلى «مََا حَوْلَهُ» و التّأنيث للحمل على المعنى، لأنّ ما حول المستوقد أشياء و أماكن. و جواب «لمّا» «ذَهَبَ اَللََّهُ بِنُورِهِمْ» ، و يجوز أن يكون محذوفا، لطول الكلام و أمن الالتباس، كأنّه قيل: « فَلَمََّا أَضََاءَتْ مََا حَوْلَهُ ،
[١]الدريص مصغر الدرص و هو ولد الفأرة و أشباهها، و النفق: الجحر (الصحاح مادة درص و نفق) و ضل دريص نفقه: يضرب لمن يعيّ بامره و يعدّ حجة لخصمه فينسى عند الحاجة. (القاموس مادة در ص) .
[٢]ج: فضل.
[٣]الطّلبة بكسر اللام ما طلبته (القاموس مادة طلب) .
[٤]٩/٦٩، هـ (خ) : +إذ جعل مرجع الضمير في بنورهم.
[٥]د: يشبه.
[٦]د: بذوات.
[٧]ظ: تكون.