القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٣١٢ - المقصد الثاني في الكتاب قانون
و دلائل لمعرفته، و قصصا عمّن غبر [١] و وعدا و وعيدا و إخبارا بما سيجيء، و ما كان ذلك إلّا لأن يفهم قومه و يعتبروا به، و قد فهموا و قطعوا بمراده تعالى من دون بيانه (صلى الله عليه و آله)، و ما جعل القرآن من باب اللّغز و المعمّى بالنسبة إليهم، مع أنّ اللّغز و المعمّى [٢] أيضا ممّا يظهر للذكيّ المتأمّل من أهل اللّسان و الاصطلاح، بل أصل الدّين، و إثباته إنّما هو مبنيّ على ذلك، إذ النبوّة إنّما تثبت بالمعجزة [٣]، و من أظهر معجزات نبيّنا (صلى الله عليه و آله) و أجلّها و أتقنها هو القرآن.
و الحقّ، أنّ إعجاز القرآن هو من وجوه: أجلّها و أقواها بلاغته، لا مجرّد مخالفة اسلوبه لسائر الكلمات. و لا يخفى أنّ البلاغة هو موافقة الكلام الفصيح لمقتضى المقام و هو لا يعلم إلّا بمعرفة المعاني.
و القول: بأنّ العرب كانت تتوقّف في فهم المعاني على بيان النبيّ (صلى الله عليه و آله) من دون أن يفهموه بأنفسهم ثمّ تعلم البلاغة شطط من الكلام، مع أنّ الأخبار الدالّة على جواز الاستدلال به و لزوم التمسّك به، قريب من التواتر أو متواترا.
منها: ما ذكره أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته المذكورة في «نهج البلاغة» قال فيها:
«و الصلاة على نبيّه الذي أرسله بالفرقان ليكون للعالمين نذيرا و أنزل عليه القرآن ليكون إلى الحقّ هاديا و برحمته بشيرا ... فالقرآن آمر زاجر، و صامت ناطق، حجّة اللّه على خلقه، أخذ عليهم ميثاقه» [٤]. إلى آخر ما ذكره (عليه السلام) من هذا النمط.
[١] أي عمن سلف، و الغابر هو الماضي كما في الصّحاح.
[٢] قيل في الفرق بينهما انّه لا إشارة في المعمّى بخلاف اللّغز أو انّ اللّغز ما أورد فيه سؤال بخلاف المعمّى و قيل غير ذلك.
[٣] قال في «المجمع» ٤/ ٢٥: إنّ المسلمين ذكروا لنبيّنا (صلى الله عليه و آله و سلّم) ألف معجزة منها القرآن و هي أمر خارق للعادة مطابق للدعوى المقرون بالتحدي.
[٤] نهج البلاغة: الخطبة ٣١٨.