العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٨ - عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن محمد بن نصر المرسى الرقوطى
بقدم العالم، و من عرف هؤلاء الباطنية عذرنى، أو هو زنديق يبطن الاتحاد، يذب عن الاتحادية و الحلولية، و من لم يعرفهم، فاللّه يثيبه على حسن قصده، و ينبغى للمرء أن يكون غضبه لربه إذا انتهكت حرماته، أعظم من غضبه لفقير غير معصوم من الزلل، فكيف بفقير يحتمل أن يكون فى الباطن كافرا، مع أنا لا نشهد على أعيان هؤلاء بإيمان و لا كفر، لجواز توبتهم قبل الموت، و أمرهم مشكل، و حسابهم على اللّه تعالى.
و أما مقالاتهم، فإنها شر من الشرك، فيا أخى و حبيبى، أعط القوس باريها، و دعنى و معرفتى بذلك، فإنى أخاف أن يعذبنى اللّه على سكوتى، كما أخاف أن يعذبنى على الكلام فى أوليائه. و أنا لو قلت لرجل مسلم: يا كافر، لقد بؤت بالكفر. فكيف لو قلته لرجل صالح، أو ولى للّه تعالى؟.
ثم قال الذهبى بعد كلام كثير: و إن فتحنا باب الاعتذار عن المقالات، و سلكنا طريق التأويلات المسحيلات، لم يبق فى العالم كفر و لا ضلال، و بطلت كتب الملل و النحل و اختلاف الفرق.
ثم قال الذهبى: و ذكر شيخنا قاضى القضاة تقى الدين بن دقيق العيد، قال: جلست مع ابن سبعين من صحوة إلى قريب الظهر، و هو يسرد كلاما تعقل مفرداته و لا تعقل مركباته.
قال الذهبى: قلت: اشتهر عنه أنه قال: لقد تحجر ابن آمنة واسعا بقوله: «لا نبى بعدى». و جاء من وجه آخر عنه أنه قال: لقد زرب ابن آمنة على نفسه حيث قال: «لا نبى بعد». قال: فإن كان ابن سبعين قال هذا، فقد خرج به من الإسلام، مع أن هذا الكلام فى الكفر، دون قوله فى رب العالمين: إنه حقيقة الموجودات، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.
و قال الشيخ صفى الدين الأرموى الهندى: حججت فى حدود سنة ست و ستين و ستمائة، و بحثت مع ابن سبعين فى الفلسفة، و قال لى: لا ينبغى لك الإقامة بمكة.
فقلت: كيف تقيم أنت بها؟ قال: انحصرت القسمة فى قعودى بها، فإن الملك الظاهر يطلبنى، بسبب انتمائى إلى أشراف مكة، و اليمن صاحبها له فىّ عقيدة، و لكن وزيره حشوى يكرهنى.
و قال الذهبى: حدثنى فقير صالح، أنه صحب فقيرا من السبعينية، و كانوا يهونون له ترك الصلاة، و غير ذلك. انتهى.