العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٦١ - عمر بن على بن رسول- و اسم رسول فيما قيل محمد- بن هارون بن أبى الفتح بن نوحى بن رستم التركمانى الغسانى، من ذرية جبلة بن الأيهم، الملك المنصور، نور الدين أبو الفتح
على ولاية مكة مدة، و فى مدة ولايته لمكة، عمّر المسجد الذى أحرمت منه أم المؤمنين عائشة رضى اللّه عنها، بعد حجها مع النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، و هذا المسجد بالتّنعيم، و هو المسجد الذى يقال له مسجد الهليلجة. و عمارته لهذا المسجد، فى سنة تسع عشرة و ستمائة، و عمّر فى ولايته على مكة أو فيما بعدها، الدّار التى يقال لها دار سيدنا أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه، فى الزقاق المعروف بزقاق الحجر، و تاريخ عمارته لها فى المحرم سنة ثلاث و عشرين و ستمائة، و استناب الملك المسعود نور الدين، هذا على بلاد اليمن، لما توجه منها قاصدا الديار المصرية، فى نصف رمضان سنة عشرين و ستمائة، نيابة عامة، خلا صنعاء، فإنه استناب فيها بدر الدين حسن بن على بن رسول، أخا نور الدين هذا، و جرى بين نور الدين و بين مرغم الصوفى، لما دعا إلى نفسه، حرب، غلبه فيه نور الدين، و لما عاد الملك المسعود من الديار المصرية، قبض على نور الدين فيما قيل، و على أخيه حسن، و أخيه فخر الدين أبى بكر، و شرف الدين موسى، تخوفا منهم، لما ظهر منهم من النجابة فى غيبته، فإن نور الدين غلب مرغما كما ذكرنا، و بدر الدين غلب الشريف عز الدين محمد بن الإمام المنصور عبد اللّه بن حمزة، و بعث بهم إلى الديار المصرية مستحفظا بهم، خلا نور الدين، فإنه على ما قيل أطلقه من يومه، لأنه كان يأنس به كثيرا، و استخلفه و جعله أتابك عسكره، فلما عزم الملك المسعود على التوجّه من اليمن، إلى الديار المصرية و الشامية، استناب نور الدين هذا مرة ثانية على جميع البلاد، و قال له: إن متّ، فأنت أولى بملك اليمن من إخوتى، لخدمتك لى و نصحك لى، و إن عشت فأنت على حالك، و إياك أن تترك أحدا من أهلى يدخل اليمن، و لو جاء الملك الكامل والدى مطويا فى كتاب. و سار الملك المسعود إلى مكة، فمات بها.
فلما بلغ نور الدين خبر موته، أضمر الاستقلال بملك اليمن، و أظهر أنه نائب للملك المسعود، و لم يغيّر سكّة و لا خطبة، و جعل يولّى فى الحصون و المدن من يثق به، و يعزل من يخشى منه خلافا، و يعمل على من ظهر منه عصيان، حتى يقتله أو يأسره، و لما استوسق له الأمر فى البلاد التهامية، و استقرت قواعده فيها، قصد حصن تعز فحاصره حتى أجهد أهله، بحيث إنهم ابتاعوا حنطة بثلاثين ألف دينار ملكية، و ذلك فى سنة ست و عشرين و ستمائة.
و فى سنة سبع و عشرين، تسلّم حصن التّعكر [١] و حصن خدد [٢]، و تسلم صنعاء
[١] تعكر: بضم الكاف، و راء: قلعة حصينة عظيمة مكينة باليمن من مخلاف جعفر مطلّة على ذى جبلة.
[٢] خدد: حصن فى مخلاف جعفر باليمن.