العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٥٢ - عمر بن عبد اللّه بن أبى ربيعة، عمرو، و قيل حذيفة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرّة القرشى المخزومىّ المدنىّ المكىّ
فلثمت فاها آخذا بقرونها* * * شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
فقلت لها: أنا قائل ذاك، فداك أبى و امى، فقالت: من هذه الجارية التى دخلت عليها، و أخذت بقرونها، و لثمت فاها؟ قلت: يا سيدتى، إن عذرى قد تقدّم و المحنة فيه واحدة، قالت: فأراك مقيما على الكذب و فضيحة النساء، و هتك أسرار الحرائر، أخرجن عنى هذا الفاسق الكذاب، مجرورا مدحورا معزّرا على كذبه و افترائه على النساء، فبادرن الوصائف إلىّ، و سحبننى على وجهى، و ضربننى بأيديهنّ و أرجلهن ضربا موجعا، ثم عصبن عينىّ، و سلّمننى إلى العجوز، فأخرجتنى و أنا لا أعقل، فقادنى ساعة، سنح لها جمّال فى بعض الطريق، فقالت له: خذ هذه المرأة الضريرة إلى مضرب عمر بن إلى ربيعة، و لك هذه الدراهم، فبادر الجمال و أخذنى من يدها، و هو يظن أنى امرأة ضريرة، حتى وصل بى إلى مضربى، فأخذنى منه بعض غلمانى، فدخلت المضرب، و لبست ثيابى، و أمرت بإدخال الناس علىّ، ثم قلت لهم: أىّ غلام وجد لى باب مضرب عليه كفّ خلوق، فهو حرّ لوجه اللّه تعالى، و أىّ رجل من أهلى وجد ذلك، فله ألف درهم. فخرج الناس من عندى و اجتهدوا فى طلب ذلك، فعاد بعض غلمانى و قال: يا سيدى، قد عرفت المضرب، ثم قمت معه، فانتهى بى إلى مضرب مروة بنت عبد الملك ابن مروان، فأمرت بمضربى أن يقلع و يضرب حيال مضربها، فلما علمت أنى قد عرفتها، فحرجت من ذلك، ثم أسدلت الستور بينى و بينها، و كان لعبد الملك عيون، فكتبوا بذلك، شعرا، فشاع فى الناس، و هو [من الطويل] [١٢]:
نظرت إليها بالمحصّب من منى* * * ولى نظر لو لا التحرّز عارم
فقلت أشمس أم محاريب بيعة* * * بدت لك بين السّجف أم أنت حالم
بعيدة مهوى القرط إما لنوفل* * * أبوها، و غما عبد شمس و هاشم
ثم أزف خروجها إلى الشام، فرحلت معها، أنزل بنزولها، و أرحل برحيلها، و اشتد بى الوجد و الدّنف، حتى ركبت فى العمّاريّة من ضعفى و شدة مرضى، و أنا أكتم حالى و أخفيه عن أهلى و عوّادى، و لم أفش سرى على أحد، إلى أن صرنا من دمشق على مرحلتين، فتلقاها رسول عبد الملك يأمرها بالنزول فى موضعها إلى أن يخرج إليها، و أقبل عبد الملك إلى نحوها فى سادات بنى أمية، و وجوه القوّاد، حتى إذا صار قريبا منها، اعتزل عنه الناس، فدخل إليها فى مضربها و بارك لها فى حجّتها، و هنأها بمقدمها، ثم قال: يا مروة، ألم أنهك عن الطواف نهارا، حتى لا تقع عين أحد عليك! فقالت:
و اللّه ما طفت إلا ليلا، فخرج من عندها، فحانت منه التفاتة، فإذا هو بمضربى، فقال:
[١٢] ديوانه ٣٤٨، و الأغانى الموضع السابق.