العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٢٥٤ - على بن داود بن يوسف بن عمر بن على بن رسول، السلطان الملك المجاهد بن الملك المؤيد بن الملك المظفر بن الملك المنصور
الحصن كل يوم بأربعين حجرا، و كان المجاهد ينتقل إلى عدة مواضع فى يومه و ليلته، و كاد المجاهد يهلك بحجر المنجنيق فى بعض الأيام، لو لا ما قيل من أن جنّيا خرج إليه من جدار فى الحصن، فنقل المجاهد من موضع جلوسه إلى موضع آخر، و بإثر نقله له، سقط الحجر فى الموضع الذى كان فيه المجاهد فأتلفه.
و يقال إن هذا الجنّىّ أخ للمجاهد من جارية كانت لأبيه، و أنه اختطف من بطن أمه، و وعده هذا الجنّىّ بالنصر فى يوم ذكره له. و لما كان ذلك اليوم، جمع المجاهد أصحابه و قاتلوا، فظهر أصحاب المجاهد على قلّتهم، و كثرة عدوّهم. فلما كانت ليلة العشرين من ذى الحجة سنة أربع و عشرين، ارتفع أصحاب الظاهر عن محاطّهم على حصن تعزّ، و مضى ابن الداوادار للحج، و مضى بعض المماليك الذين كانوا معه إلى صوب زبيد.
و سبب ذلك، أن طائفة من المماليك الذين كانوا محاصرين للمجاهد، انصرفوا قبل ذلك إلى صوب تهامة، نصرة لبعض الأشراف، ثم حصل حرب بين المماليك هؤلاء، و أشراف أتى بهم الزعيم، و كان من خواصّ المجاهد، لينصروه بمكان يقال له جاحف، استظهر فيه الأشراف على المماليك، و لمّا علم بذلك المماليك الذين كانوا مع ابن الدّوادار، لم يستقرّ لهم قرار، فرحلوا نحو أصحابهم.
و فى يوم الجمعة الرابع عشر من ربيع الأول سنة خمس و عشرين و سبعمائة، خطب بزبيد للمجاهد، بإشارة عوّارين زبيد، و تهدّد بعض شياطينهم الخطيب بالقتل إن لم يفعل، فلم يتخلف، و لم يخطب بعد ذلك للظاهر على منبر من منابر تهامة. و سبب ذلك، أن المماليك الذين انصرفوا من المحطة بتعز، فى ليلة العشرين من ذى الحجة من السنة الماضية، لما دخلوا زبيد، سألوا القصرىّ، و هو من كبار المماليك الذين بها، أن يخرج عنها، و أن يكون الأمر بها لناس من المماليك سمّوهم له، و نسبوا ذلك للظاهر، و رأى منهم ما رأى، فخادعهم و بذل للعوّارين أربعة آلاف دينار على نصرته، و القبض على من عانده، فقصدوا دور القائمين عليه و نهبوها، و أتوه يطلبون منه ما وعدهم به، فامتنع، فرموه بالحجارة، و تسوّروا عليه داره فهرب، و أخذوا من منزله مالا جزيلا، و أتوا إلى الخطيب، فأمروه بالخطبة للمجاهد، ففعل كما ذكرنا، و قصد المماليك بعد خروجهم من زبيد، الناصر محمد بن الأشرف بالسّلامة، و أطمعوه بالملك، فسار معهم إلى زبيد، فقاتلهم أهل زبيد ساعة من نهار، ثم انتقل الناصر إلى التريبة ثم إلى الكدراء، و أقام بها شهرا و جبى أموالها، ثم قصد زبيد، فلقيه بفشال، جماعة من أصحاب المجاهد، فقاتلوه فظهر عليهم الناصر، ثم أتى زبيد، فخرج إليه العوارين فقاتلوه، فقتل من