العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٢٧٦ - على بن أبى طالب، و اسم أبى طالب، عبد مناف- على الأصح فيما قال ابن عبد البر، و المشهور على ما قال النووى و قيل اسمه كنيته- بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب القرشى
عنه فى الزهد: الدنيا جيفة، فمن أراد منها شيئا، فليصبر على مخالطة الكلاب. انتهى.
و توفى رضى اللّه عنه، و هو أفضل الأمة شهيدا مقتولا، قتله رجل من حمير، عداده فى مراد، و هو عبد الرحمن بن ملجم، أشقى الناس على ما أخبر به النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، كما فى سنن النسائى و غيره، و هو من الخوارج الذين قتلهم يوم النّهروان، و كان و اثنان مثله من الخوارج، تعاقدوا على قتل علىّ، و معاوية بن أبى سفيان، و عمرو بن العاص، و أن لا يرجع أحد منهم عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه. و اتّعدوا لذلك ليلة معيّنة، و ذهب كل منهم إلى المصر الذى فيه مراده، فرأى ابن ملجم بالكوفة امرأة من بنى عجل، يقال لها قطام، رائعة الجمال، فأعجبته و وقعت فى نفسه، فخطبها فقالت له:
آليت ألا أتزوج إلا على مهر لا أريد سواه، فقال لها: ما هو؟، فقالت له: ثلاثة آلاف، و قتل علىّ، فأجابها إلى ذلك، و أخبرها بقصده له، فوعدته بمن يشدّ ظهره، و هو ابن عمها، و كلّمته فى ذلك فأجابها، و تكلّم هو مع شبيب بن بجرة الأشجعىّ فى ذلك، فوافقوه، و اتفقوا على أن يكمنوا لعلىّ فى المسجد، فإذا خرج إلى الصلاة قتلوه.
فلما خرج ضربه شبيب فأخطأه، و ضربه ابن ملجم على رأسه بسيف اشتراه بألف، و سقاه السّم، حتى زعموا أنه لفظه، و قيل إنه ضرب عليّا بخنجر كان معه، و قال لعلى:
الحكم للّه يا علىّ لا لك و لا لأصحابك، فقال علىّ رضى اللّه عنه: فزت و ربّ الكعبة، لا يفوتكم الكلب، فشدّ الناس عليه من كل جانب و أخذوه، فأمر به فحبس و قال: إن متّ فاقتلوه و لا تمثّلوا به، و إن لم أمت، فالأمر إلىّ فى العفو و القصاص.
و روى أن عليّا رضى اللّه عنه، كان إذا رأى ابن ملجم قال: [من الوافر]:
أريد حياته و يريد قتلى* * * عذيرى من خليلك من مراد
أما إن هذا قاتلى، قيل له: فما يمنعك من قتله؟ فقال: إنه لم يقتلنى بعد.
و نقل عن علىّ رضى اللّه عنه أخبار كثيرة، تدل على أنه كان عنده علم السّنة و الشّهر و الليلة التى يقتل فيها، و أنه لما خرج لصلاة الصبح، صاحت الأوزّ فى وجهه، فطردن عنه، فقال: دعوهنّ فإنهنّ نوائح. انتهى.
و اختلف فى قتل ابن ملجم لعلىّ رضى اللّه عنه، فقيل و هو فى الصلاة، و قيل قبل دخوله فيها.
و اختلف على القول بأنه فتك فيه و هو يصلّى، هل استخلف علىّ من أتمّ الصلاة بالناس، أو أتمها بنفسه؟. و الأكثر على أنه استخلف جعدة بن هبيرة، فصلّى بالناس تلك الصّلاة، و اللّه أعلم.