العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٦٤ - عمر بن على بن رسول- و اسم رسول فيما قيل محمد- بن هارون بن أبى الفتح بن نوحى بن رستم التركمانى الغسانى، من ذرية جبلة بن الأيهم، الملك المنصور، نور الدين أبو الفتح
بأموال جزيلة، و أنفق على عساكره، و جعل فيها رتبة مائة و خمسين فارسا، و جعل عليهم ابن الوليدى و ابن التعزى، و فى هذه الوقعة يقول الأديب جمال الدين محمد بن حمير يمدح الملك المنصور بقصيدة، منها [من البسيط]:
من ذا يلوم أميرا فرّ من ملك* * * لا ذاك ذاك و لا كالخنصر العضد
و لم يزل عسكر المنصور بمكة، حتى خرجوا منها فى سنة سبع و ثلاثين، لما وصل الأمير شيحة صاحب المدينة إلى مكة، فى ألف فارس، من جهة صاحب مصر.
ثم إن السلطان نور الدين، جهّز ابن النصيرى و الشريف راجحا إلى مكة فى عسكر جرار، فلما سمع بهم شيحة و أصحابه، خرجوا من مكة هاربين، فتوجّه شيحة إلى مصر قاصدا صاحبها الملك الصالح نجم الدين أيوب، فجهز معه عسكرا، فوصلوا إلى مكة فى سنة ثمان و ثلاثين و ستمائة، و حجّوا بالناس.
فلما كانت سنة تسع و ثلاثين، جهّز السلطان نور الدين جيشا كثيفا إلى مكة، فلما علم بهم العسكر المصرى الذى بمكة، كتبوا إلى ملكهم صاحب مصر، يطلبون منه نجدة، فأرسل إليهم مبارز الدين على بن الحسين بن برطاس، و ابن التركمانى، فى مائة و خمسين فارسا، فلما علم بذلك عسكر صاحب اليمن، عرفوه الخبر، و أقاموا بالسرين، فتجهز السلطان بنفسه إلى مكة، فى عسكر جرار، فلما علم المصريون بقدومه، خرجوا هاربين، و أحرقوا ما فى دار السلطنة بمكة، فدخلها السلطان نور الدين، و صام بها شهر رمضان، و أرسل السلطان نور الدين إلى أبى سعد صاحب ينبع، فلما أتاه أكرمه و أنعم عليه و استخدمه، و اشترى منه قلعة ينبع، و أمر بخرابها، حتى لا تبقى قرارا للمصريين، و أبطل السلطان نور الدين من مكة سائر المكوسات و الجبايات و المظالم، و كتب بذلك مربّعة، و جعلت قبالة الحجر الأسود، و رتّب فى مكة مملوكه الأمير فخر الدين الشلاح و ابن فيروز، و جعل الشريف أبا سعد بالوادى مساعدا لعسكره الذين بمكة و لم تزل مكة فى ولاية الملك المنصور، و بها نوابه حتى مات، إلا أن الشريف أبا سعد، تغلب على نائبه ابن المسيب، الذى ولى مكة بعد الشلاح، و أظهر أبو سعد أنه إنما تغلب على ابن المسيب، لما رأى منه من الخلاف فى حق الملك المنصور.
و ممّا صنعه الملك المنصور من المآثر بمكة: أنه أرسل بقناديل من الذهب و الفضة للكعبة، فى سنة اثنتين و ثلاثين، على يد ابن النصيرى، و علق القناديل فيها، و عمر بها المدرسة التى له بالجانب الغربى من المسجد الحرام، ملاصقة لمدرسة الزنجيلى، و تاريخ عمارتها سنة إحدى و أربعين و ستمائة.