العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٢٥٢ - على بن داود بن يوسف بن عمر بن على بن رسول، السلطان الملك المجاهد بن الملك المؤيد بن الملك المظفر بن الملك المنصور
و كان شادّ الدواوين فى دولة أبيه، و عزل من النيابة الأمير جمال الدين يوسف بن يعقوب. و فى أثناء ربيع الأول سنة اثنتين و عشرين، توجه المجاهد إلى حصن الدّملوة، و لبث بها أياما، و افتقد الخزائن، و نزل منها و لم يحسن لأحد بشىء، على جارى عادة الملوك، و أتى ثعبات، و أقام بها، و أنفس العسكر عليه متغيرة، فسعوا فى إقامة عمه الملك المنصور أيوب بن المظفر فى السلطنة عوضه، و لما تم للسّاعين فى ذلك قصدهم، اجتمع المماليك بالأمراء الكبار و مضوا لدار الشجاع عمر بن يوسف بن منصور المحارب بتعز، فقتلوه و قتلوا من كان حاضرا عنده و خرجوا من فورهم إلى ثعبات، فقبضوا المجاهد، و عادوا إلى المنصور أيوب فى آخر ليلتهم، و المجاهد معهم أسير، و لبث عند المنصور ثلاثة أيام، و المنصور يستحلف العسكر على الطاعة له و الوفاء، فحلفوا له أيمانا مغلّظة.
و فى اليوم الرابع طلع المنصور فى أبّهة السلطنة إلى حصن تعزّ، و معه المجاهد محتفظا به، و أودع دار الإمارة مكرّما،، و استوسق الأمر للمنصور، و كانت سلطنته فى جمادى الآخرة سنة اثنتين و عشرين و سبعمائة، و صرف فى مدة سلطنته من المال، نحو سبعمائة ألف دينار، غير المركوب و الملبوس، و كانت سلطنته ثمانين يوما، و قيل نحو تسعين يوما، و زالت سلطنته فى سادس رمضان، سنة اثنتين و عشرين، و سبب زوالها، أن والدة المجاهد فيما قيل، بعثت بعض غلمان لها إلى العربيين، و اتفقت مع جماعة منهم، و عاملوا شخصا على طلوع الحصن من قفاه، بمباطنة جماعة من عبيد الشّر بخاناه الذين بالحصن.
فلما حضروا إلى الحصن أدليت إليهم الحبال، و أطلعوا واحدا بعد واحد، و عددهم أربعون رجلا، و بعد استقرارهم بالحصن أرادوا الثورة، فنهاهم عن ذلك عبيد الشّربخاناه، و قالوا لهم: لا تحدثوا حدثا حتى نقول لكم، فلما نزل الخادم وقت الصباح بمفاتيح الحصن، و علم بذلك عبيد الشربخاناه، أشاروا إلى الذين أطلعوهم بالقيام، فحضروا إلى الخادم و قتلوه و أخذوا المفاتيح منه، و ما شعر بهم المنصور، إلا و هم معه فى موضع مبيته، فأخذوه أسيرا، و مضوا به إلى موضع ابن أخيه المجاهد، فسلموه إليه، و صاحوا بشعار المجاهد، فارتاع الناس لذلك، و حصل بين والى الحصن و الرتبة معه، و بين الذين ثاروا بالحصن، قتال شديد، فقتل الوالى، و اجتمع إلى الحصن أصحاب المنصور، فلم يجدوا إليه طريقا لإغلاقه دونهم، و لما رآهم المجاهد، أمر مناديا فصاح بإباحة بيوت المنصورية، فافترقوا إلى بيوتهم خوفا عليها، و تعدّى النهب لنساء الملوك، ثم أمر المجاهد بالإعراض عن النهب، و قبض على الناصر محمد بن الأشرف و أبيه، و غيرهم من الملوك، و كان المماليك البحرية و الأمراء، قد أطمعوا الناصر بالملك. لما علموا بالنداء فى الحصن