العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٤٧٠ - قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن على بن عبد اللّه بن محمد بن موسى بن عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه ابن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب، يكنى أبا عزيز الينبعىّ المكى
فقال له أمير الركب: يا شريف، أنت ابن بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و الخليفة ابن عمك، و أنا مملوك تركى، لا أعلم من الأمور التى فى الكتب ما علمت، و لكنى قد رأيت أن هذا من شرف العرب، الذين يسكنون البوادى، و نزعات قطاع الطريق و مخيفى السبيل، حاش للّه أن أحمل هذه الأبيات عنك إلى الديوان العزيز، فأكون قد جنيت على بيت اللّه، و بنى بنت نبيه (صلى اللّه عليه و سلم)، ما ألعن عليه فى الدنيا، و أحرق بسببه فى الآخرة، و اللّه لو بلغ هذا إلى حيث أشرت، لترك كل وجه، و جعل جميع الوجوه إليك حتى يفرغ منك، ما لهذا ضرورة، إنه قد خطر لك أنهم استدرجوك، لا تسر إليهم، و لا تمكن من نفسك، و قل جميلا، و إن كان فعلك ما علمت. قال: فأصغى إليه أبو عزيز، و علم أنه رجل عاقل ناصح، ساع بخير لمرسله و للمسلمين، فقال له: كثر اللّه فى المسلمين مثلك، فما الرأى عندك؟ قال: أن ترسل من أولادك من لا تهتم به إن جرى عليه ما يتوقعه، و معاذ اللّه أن يجرى إلا ما تحبه، و ترسل معه جماعة من ذوى الأسنان و الهيئات من الشرفاء، فيدخلون مدينة السلام، و فى أيديهم أكفانهم منشورة، و سيوفهم مسلولة، و يقبلون العتبة، و يتوسلون برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و بصفح أمير المؤمنين، و سترى ما يكون من الخير لك و للناس، و اللّه لئن لم تفعل هذا، لتركبنّ الإثم العظيم، و يكون ما لا يخفى عنك، قال:
فشكره و وجه صحبته ولده و أشياخ الشرفاء، و دخلوا بغداد على تلك الهيئة التى رسم، و هم يضجون و يبكون و يتضرعون، و الناس يبكون لبكائهم، و اجتمع الخلق كأنه المحشر، و مالوا إلى باب النوبى من أبواب مدينة الخليفة، فقبلوا هنالك العتبة، و بلغ الخبر الناصر، فعفى عنهم و عن مرسلهم، و أنزلوا فى الديار الواسعة، و أكرموا الكرامة التى ظهرت و اشتهرت، و عادوا إلى أبى عزيز بما أحب، فكان بعد ذلك يقول: لعن اللّه أول رأى عند الغضب، و لا عدمنا عاقلا ناصحا يثنينا عنه. انتهى.
و ذكر ابن محفوظ: أن قتادة أرسل إلى الخليفة ولده راجح بن قتادة فى طلب العفو، و كلامه يقتضى أن ذلك وقع بإثر الفتنة. و ذكر ابن الأثير ما يوافق ذلك، و ما ذكره ابن سعيد، يقتضى أن ذلك بعد سنة من الفتنة، و اللّه أعلم.
و قد ذكر قتادة جماعة من العلماء فى كتبهم، و ذكروا ما فيه من الأوصاف المحمودة و المذمومة، مع غير ذلك من خبره، فنذكر ما ذكروه لما فيه من الفائدة.
قال المنذرى فى التكملة: كان مهيبا و قورا قوى النفس شجاعا مقداما فاضلا، و له شعر.
قال: و تولى إمرة مكة مدة، رأيته بها و هو يطوف بالبيت شرفه اللّه تعالى، و يدعو