العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٢٤٤ - ٢٠٤٥- على بن أبى بكر محمد العقيلى نسبا، موفّق الدين أبو الحسن الزّيلعىّ
استقلالا لها، و إنما ذلك لعذر، فألّح عليه القاضى نجم الدين فى القبول فأبى، فقال لها القاضى نجم الدين: لابد من قبولك لذلك، أو تخبرنى بعذرك. فقال: إخبارى بالعذر أهون علىّ، و هو أنا يا بنى الزيلعى، نسكن السّلامة و حيس من بلاد اليمن، و لنا بهما مزارع، يتحصّل منها ما يقوم بكفايتنا، و يفضل لنا نزر يسير، فقدّر فى بعض السنين، أنى استدنت لأجل و لائم أعراس و طهارات، حتى بلغ دينى خمسة عشر ألف دينار، يعنى ستين ألف درهم، فشقّ ذلك علىّ، و لحقنى منه همّ، و بلغ خبرى إلى بعض جهات السلطان، فبعثت إلىّ بمقدار ما علىّ، و هو خمسة عشر ألف دينار، فى خمسة عشر كيسا مع خادمها، و لم أشعر بذلك إلا عندى، فوضعه بين يدىّ، و أبلغنى رسالة مولاته، و هو أنه بلغها ما علىّ الدين، فبعثت إلى هذا المال لوفائه، فرأيت كأن فى بيتى خمسة عشر حيّة، فعرفت من أين أتيت، و أجمعت على رد المال لمن أرسله، و قلت: هذا مال لا يملكونه، إذا أخذته صار فى ذمتى، و لا أعرف أنا أصحابه، فأستحلّ منهم، أو أؤديه إليهم، و أصحاب الدين الذى علىّ غير مطالبين لى، فنهانى عن ردّه جميع أهلى حتى الخادم، و أسا علىّ فى ذلك، فلم أقبل، فرددته.
و كان ذلك فى أوان الحصاد، و سعر الطعام إذا ذاك، المدّ بخمسة و عشرين دينارا، فلم يزل السعر يرتفع قليلا قليلا، حتى بلغ المدّ مائة و خمسة و عشرين دينارا، فبعت بهذا السعر من غلتى ما يفى بدينى، و فضل لى فضلة، ثم تنازل السعر حتى صار المدّ بخمسة و عشرين. فعرفت أن ذلك عناية من اللّه بى، لتوقّفى فى ذلك المال، و عقدت مع اللّه عقدا، أن لا أقبل من أحد شيئا، فهل ترى يا نجم الدين أن أنقض هذا العقد؟ و أقبل هذا المال!. فقال: لا يا سيدى.
هذا ما أخبرنى به بعض الناس، إلا أنه شكّ فى هذه الحكاية، هل اتفقت لهذا الشيخ أو لوالده الآتى ذكره؟ و الصواب أنها لهذا الشيخ، لأن سياق الخبر يدل له، و هو كون صاحب المال كريم الدين الكبير، و غير ذلك. و سمعت بعض الناس يذكر هذه الحكاية على غير هذا الوجه، و ملخّص ذلك: أن القاضى نجم الدين الطبرى، فرّق صدقة لفخر الدين ناظر الجيش، فبعث إليه منها بألف درهم، فردها، فزيد ألفا، فردها، ثم ألفا، فردها، ثم ألفا، فردها.
فلما كان فى المرة الخامسة، توجه إليه القاضى نجم الدين، و سأله قبول ذلك، و بالغ و اعتذر إليه بقلة الحاصل، فأبى الشيخ من القبول، و قال له: ما رددت ذلك استقلالا، و إنما رددته لعهد عقدته مع اللّه تعالى.