العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ١٨٧ - عثمان بن يوسف بن أبى بكر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن محمد الأنصارى، الشيخ فخر الدين النويرى المكى
شاذان، و سألوه أن يقول: «إنى أحبكم» ليتسلسل لهم الحديث. فتوقف، فقالوا له: و أنت ما تحبنا؟ فقال: لا، لأنى ما أعرفكم، و لا أبغضكم. انتهى.
و قد وقعت لى النسخة التى سمعت عليه، و السماع بقراءة الحافظ شمس الدين محمد ابن موسى بن سند اللّخمىّ، و بخطه ذكر أنه يتسلسل لهم حديث معاذ: إنى أحبك.
فقال و لعدم تسلسله قصة. انتهى.
و هذه القصة التى أخبر بها شيخنا العراقى، عن الشيخ فخر الدين، و هى دالة على كثرة تحرزه فى القول، و جوابه فيها صحيح؛ لأن عدم المحبة، لا يستلزم البغضة. و كان فى حديثه مع الناس لا يظهر لهم غير ما فى نفسه؛ لأنه بلغنى أنه اجتمع مع الشيخ أبى العباس بن عبد المعطى النحوى السابق ذكره بمصر، فى بعض قدمات أبى العباس إليها، فقال للشيخ أبى العباس: تأتونا إلى البيت. و قصد أن يضيفه.
فجاء إليه الشيخ أبو العباس، فلم ير من الشيخ فخر الدين انبساطا لمجيئه، فقال له الشيخ أبو العباس: ألم تأمرونى بالحضور؟ فقال: نعم، و لكنى لم أعيّن الوقت، و التجمل ما حرم.
و بلغنى أنه لما تزوج فى مكة، بحمامة بنت زيان، سئل عن صفتها. فقال: احلقوا ذقن أبيها، و انظروا إليه فهى مثله، و نال منه. و كان- فيما بلغنى- يعيب قول الناس بعضهم لبعض فى الصباح و المساء: صباح الخير، و مساء الخير، و يقول: إيش الخير؟ لصباح الخير و مساء الخير؟.
و كان الشيخ فخر الدين ولى القضاء بالشارع ظاهر القاهرة، و عيّن لقضاء دمشق، ثم صرف إلى غزة، و ولى بمكة تدريس الحديث لوزير بغداد، و درّس فى سنة سبع و أربعين و سبعمائة، و أخذ فى حديث: «أمّنى جبريل عند البيت فى أوقات الصلوات».
و حضر عنده قاضى القضاة عز الدين بن جماعة، و موفق الدين الحنبلى، و جماعة من فضلاء الشاميين، و تردد إلى مكة مرات، و جاور بها كرات، و تأهل بحمامة بنت ابن زيال [٣]. و ولد له منها بيت سميت فاطمة، تأهل بها الفقيه عبد اللّه بن ظهيرة. و ولدت له.
و لم يمت إلا ببلده النّويرة، فى سابع عشر ذى الحجة سنة خمس و خمسين و سبعمائة،
[٣] سبق الترجمة أن اسمها «حمامة بنت زيان».