العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٠٣ - على بن محمد بن على الصليحى
فتحضر حتى نقطع عليه الطريق و نقتله، فحضر جيّاش إلى زبيد، و خرج هو و أخوه سعيد، و معهما سبعون رجلا بلا مركب و لا سلاح، بل مع كل واحد جريدة فى رأسها مسمار حديد، و تركوا جادة الطريق، و سلكوا طريق الساحل، و كان بينهم و بين المهجم مسيرة ثلاثة أيام للمجدّ، و كان الصليحى قد سمع بخروجهم، فسيّر خمسة آلاف حربة من الحبشة الذين فى ركابه لقتالهم، فاختلفوا فى الطريق، فوصل سعيد و من معه إلى طرف المهجم و قد أخذ منهم التعب و الحفاء، و قلة الماء، فظن الناس أنهم من جملة عبيد العسكر، و لم يشعر بهم إلا عبد اللّه أخو الصّليحى، فقال لأخيه: يا مولانا، اركب، فو اللّه هذا الأحول سعيد بن نجاح، و ركب عبد اللّه، فقال الصليحى لأخيه: إنى لا أموت إلا بالدّهيم و بئر أم معبد، معتقدا أنها أم معبد التى نزل بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، لما هاجر إلى المدينة، فقال له رجل من أصحابه: قاتل عن نفسك، فهذه و اللّه الدّهيم، و هذه بئر أم معبد، فلما سمع الصليحى ذلك، لحقه زمع اليأس من الحياة، و بال و لم يبرح من مكانه، حتى قطع رأسه بسيفه، و قتل أخوه معه و سائر الصليحيين، و ذلك فى ثامن عشر ذى القعدة، سنة ثلاث و سبعين و أربعمائة، ثم إن سعيدا أرسل إلى الخمسة آلاف الذين أرسلهم الصليحى لقتاله، فقال لهم: إن الصليحى قد قتل، و أنا رجل منكم، و قد أخذت بثأر أبى، فقدموا عليه و أطاعوه، و استعان بهم على قتال عسكر الصليحى، فاستظهر عليهم قتلا و أسرا و نهبا.
ثم رفع رأس الصليحى على عود المظلّة، و قرأ القارئ: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: ٢٦].
و رجع إلى زبيد، و قد حاز الغنائم و دخلها فى سادس عشر ذى القعدة من السنة و ملكها، و ملك بلادها و بلاد تهامة، و لم يزل على ذلك حتى قتل فى سنة إحدى و ثمانين و أربعمائة، بتدبير الحرّة، و هى امرأة من الصليحيين، و خبر ذلك يطول، و لما قتل الصليحى و رفع رأسه على عود المظلة كما تقدم، عمل فى ذلك القاضى العثمانى [من الكامل] [٣]:
بكرت مظلّته عليه فلم ترح* * * إلا على الملك الأجل سعيدها
- معرب، و يقال له دهيك أيضا: و هى جزيرة فى بحر اليمن، و هو مرسى بين بلاد اليمن و الحبشة، بلدة ضيّقة حرجة حارة كان بنو أمية إذا سخطوا على أحد نفوه إليها.
[٣] الأبيات فى: (و فيات الأعيان ٣/ ٤١٤، تاريخ ثغر عدن ١٦٣).