العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٠١ - على بن محمد بن على الصليحى
و بين يديها الجنائب بمراكب الذهب المرصعّة، و فى رواية: أقام بمكة إلى ربيع الأول، فوقع فى أصحابه الوباء، فمات منهم سبعمائة رجل، ثم عاد إلى اليمن، لأن العلويين تجمّعوا عليه، و لم يبق معه إلا نفر يسير، فسار إلى اليمن، و منع الحج من اليمن، فغلت الأسعار، و زادت البليّة. انتهى.
و ذكره الفقيه عمارة الشاعر فى تاريخه، فقال: كان أبوه محمد قاضيا باليمن، سنّىّ المذهب، و كان أهله و جماعته يطيعونه، و كان الداعى عامر بن عبد اللّه الزّواحىّ يلاطفه و يركن إليه، لرئاسته و سؤدده و صلاحه و علمه، فلم يزل عامر المذكور، حتى استمال قلب ولده علىّ المذكور، و هو يومئذ دون البلوغ، و لا حت له فيه مخايل النجّابة، و قيل:
كانت عنده حلية علىّ الصليحى فى كتاب «الصّور» من الذخائر القديمة، فأوقفه منه على ثقل حاله، و شرف مآله، و أطلعه على ذلك سرا من أبيه و أهله؛ ثم مات عامر عن قرب، و أوصى له بكتبه و علومه، و رسخ فى ذهن علىّ من كلامه ما رسخ، فعكف على الدرس، و كان ذكيا، فلم يبلغ الحلم، حتى تضلّع من معارفه، التى بلغ بها و بالجد السعيد، غاية الأمل البعيد.
و كان فقيها فى مذهب الدولة الإمامية، مستبصرا فى علم التأويل. ثم إنه صار يحج بالناس دليلا على طريق السّراة و الطائف خمس عشرة سنة، و كان الناس يقولون له: إنه بلغنا أنك ستملك اليمن بأسره، و يكون لك شأن، فيكره ذلك و ينكره على قائله، مع كونه أمرا قد شاع و كثر فى أفواه الناس، الخاصّة و العامّة.
و لما كان فى سنة تسع و عشرين و أربعمائة، ثار فى رأس جبل مسار، و هو أعلى ذروة فى جبال حراز، و كان معه ستون رجلا، قد حالفهم بمكة فى موسم سنة ثمان و عشرين و أربعمائة، على الموت و القيام بالدّعوة، و ما منهم إلا من هو من قومه و عشائره فى منعة و عدد كثير، و لم يكن برأس الجبل المذكور بناء، بل كان قلعة منيعة عالية، فلما ملكها، لم ينتصف نهار ذلك اليوم الذى ملكها فى ليلته، إلا و قد أحاط به عشرون ألف ضارب سيف، و حصروه و شتموه و سفهوا رأيه.
و قالوا له: إن نزلت، و إلا قتلناك أنت و من معك بالجوع! فقال لهم: لم أفعل هذا إلا خوفا علينا و عليكم أن يملكه غيرنا، فإن تركتمونى أحرسه لكم، و إلّا نزلت إليكم، فانصرفوا عنه، و لم يمض عليه أشهر، حتى بناه و حصّنه و أتقنه.
و استفحل أمر على الصليحى شيئا فشيئا، و كان يدعو للمستنصر صاحب مصر فى