العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٦ - عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن محمد بن نصر المرسى الرقوطى
فمن وقف على هذا الكلام، أوقع عنده التطلع للعلم بما عدد من الأنواع. و مراده بذلك أنه قد اطلع على ما ذكر و أحاط به علما، و أنه قد ترقى عن ذلك إلى جعل القضايا المذكورة قضية واحدة، و أنها غير تلك الموجودات، و كلها فيها مندرجة، و هى به محيطة، فهى الكل عند من فى إدراكه قوة، و أنها أسماء اختلفت لمسميات متحدة.
و قد اشتهرت مقالته تلك بين أتباعه، و تفرقوا فى بلدان شتى، يبثون هذه المقالة، و تابعهم عليها جمع شاركوهم فى أفعالهم الظاهرة، و ما أطلعوهم على عقائدهم الباطنة، و عمت المفسدة، بهم فى الأقاليم، بما ألقوه فى العقول من هذا المعتقد.
و لابن سبعين فى كتاب الإحاطة [من البسيط]:
من كان يبصر شأن اللّه فى الصور* * * فإنه شاخص فى أنقص الصور
بل شأنه كونه بل كونه كنهه* * * فإنه جملة من بعضها و طرى
إيه فأبصرنى إيه فأبصره* * * فلم قلت إن النفع فى الضرر
قال أبو حيان: انتهى كلام الشيخ قطب الدين القسطلانى.
ثم قال أبو حيان: و مازال ابن سبعين مشردا فى البلاد، ينفى من بلد إلى بلد، و أصحابه مذمومون مبغوضون. ثم قال بعد أن ذكر شيئا من خبرهم: و هؤلاء كلهم جهال أتباع جاهل.
حكى عن شيخهم ابن سبعين، مقالات تدل على كفره، منها لقد زرب بن آمنة على نفسه، قال: لا نبى بعدى.
و ما زال تلفظه البلاد، حتى استقر بمكة عند واليها أبى نمى، و تقدم عنده، و كان قد جرح جرحا شديدا، فعالجه ابن سبعين حتى برئ.
و قد سمعت قاضى القضاة تقى الدين بن دقيق العيد يقول: رأيت ابن سبعين بمكة، و هو يتكلم للناس بكلام ألفاظه معقولة المعنى، و حين تركبها لا تفهم لها معنى، و نحوا من هذا سمعت قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة يقول- و قد حضر مجلسه-: و لا شك أن الذى ظهر به ابن سبعين، هو مسروق من عقيدة ابن المرأة، و ابن أحلى و أتباعه، إذ كانوا كلهم اشتغلوا بمرسية.
و لنذكر شيئا من حال هذين الرجلين، ليفهم منه انحلالهم و انحلال ابن سبعين من الشريعة.