العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٤١٨ - عنان بن مغامس بن رميثة بن أبى نمىّ محمد بن أبى سعد حسن بن على بن قتادة الحسنى المكى، يكنى أبا لجام، و يلقب زين الدين
اللّه تعالى من سلامة المختفى فيه، ثم بعث إلى بعض الأشراف ذوى راجح، و كان له منهم قرابة، فحضر إليه غير واحد منهم، و سألهم فى إعانته، بمركوب له و لمن يسافر معه، فأجابوه لقصده، و أخرجوا له ركائب إلى المعابدة، و حملوا عليها فخّارا و غيره، ليخفى أمرها على من يراها، و خرج عنان من سوق الليل إلى المعابدة، و نزل عند امرأة يعرفها من أهلها، فأخفته بإلباسها له ثياب النساء، و أجلسته معها و مع غيرها، و نمى الخبر إلى كبيش، فأتى إلى المنزل الذى فيه عنان بالمعابدة، و سأل عنه صاحبة المنزل التى أخفته، فنالت بالقول من عنان كثيرا، و أنكرت أن يكون عندها، فصدقها كبيش.
فلما كان الليل، ركب مع رجلين أو ثلاثة، الرواحل التى أعدت لهم، فوقفت بعض ركابهم، قبل وصولهم إلى وادى مرّ، و ما وصل هو إلى خليص، إلا و قد كلّت راحلته، فسأل بعض أهل خليص عن راحلة لبعض أصحابه، بلغه أنها بخليص، فأخبر بوجودها، فأخذها؛ و يقال إن صاحبها كان إذا فرغ من علفها، يقول: ليت عنانا يخلص فينجو عليك، فكان ما تمناه، فتوصل عنان إلى ينبع، ثم إلى مصر، فى أثناء سنة ثمان و ثمانين و سبعمائة، فأقبل عليه الملك الظاهر، و وصل إليه فيما بلغنى، كتاب من أحمد بن عجلان، يسأله فى ردّ عنان إليه، فكتب إليه الظاهر يقول: و أما ما ذكرت من جهة عنان، فإن اللّه سبحانه و تعالى يقول: وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة: ٦] و بعد قليل، بلغ السلطان موت أحمد بن عجلان، و كحل ولده للأشراف المسجونين، فتغير على الولد، لأنه كان يسأل أباه فى إطلاقهم، فأبى و أضمر تولية عنان مكة عوضه، و كتم ذلك على عنان، و خادع محمد بن أحمد بن عجلان، بأن أرسل إليه العهد و الخلعة بولاية مكة، و أذن لعنان فى التوجه صحبة الحاج، و أمر أمير الحاج، بقلة مراعاته لعنان فى طريق مكة، فكان لا يلتفت إليه، و ربما أهانه لئلا يتشوّش محمد بن أحمد بن عجلان، و تمت عليه هذه الخدعة، لما قضى اللّه تعالى به من الشهادة، فإنه لما حضر لخدمة المحمل المصرى، على عادة أمراء الحجاز، قتله باطنينان، فى مستهل الحجة، من سنة ثمان و ثمانين و سبعمائة، و بعد قتله، أشعر أمير الحاج الماردينّى عنانا بولايته لإمرة مكة، عوض المذكور، و دخل مع الترك، و عليهم السلاح، حتى انتهوا إلى أجياد، فحاربهم فيه بعض جماعة محمد بن أحمد ثم ولوا، و نودى لعنان فى البلد بالولاية، و ألبس الخلعة السلطانية بذلك، فى مستهل الحجة، ثم قرئ توقيعه على قبة زمزم، و كتاب السلطان بولايته، و إلزام بنى حسن من الأشراف و القواد بطاعته، و قام بخدمة الحاج حتى رحلوا، و توجه بعد سير الحاج بمدة بسيرة، إلى جدة، فقرر أمرها و رتب بها نائبا، محمد بن عجلان، لملايمته له من السجن، و توحشه