العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٠٧ - على بن محمد البغدادى الصوفى، أبو الحسن المعروف بالمزين
و أصله من بغداد، صحب سهل بن عبد اللّه و الجنيد، و من فى طبقتهما من البغداديين، و أقام بمكة مجاورا، و مات بها، و كان من أروع المشايخ و أحسنهم حالا.
قال أبو عبد اللّه محمد بن خفيف: سمعت أبا الحسن المزين بمكة يقول: كنت فى بادية تبوك، فتقدمت إلى بئر لأستقى منها، فزلقت رجلى، فوقعت فى جوف البئر، فرأيت فى البئر زاوية واسعة، فأصلحت موضعا و جلست عليه، فقلت: إن كان منّى شيئا، لا أفسد الماء على الناس، فطابت نفسى و سكن قلبى، فبينا أنا قاعد، إذا بخشخشة، فتأملت فإذا بأفعى ينزل، فراجعت نفسى، فإذا هى ساكنة، فنزل و دار بى، و أنا هادى السر لا يضطرب علىّ، ثم لفّ بى ذنبه، و أخرجنى من البئر، و حلّ عنى ذنبه، فلا أدرى، أرض ابتلعته أو سماء رفعته، و قمت و مشيت.
و قيل: إنه رئى يوما متفكرا، ثم اغرورقت عيناه، فقيل له: ما لك أيها الشيخ! فقال:
ذكرت أيام تقطعّى فى إرادتى، و قطعى المنازل يوما فيوما، و خدمتى أولئك السّادة من أصحابى، و تذكرت ما أنا فيه من الفترة عن شريف تلك الأحوال، و أنشأ يقول [من البسيط] [١]:
منازل كنت تهواها و تألفها* * * أيّام أنت على الأيام منصور
و قال جعفر الخلدىّ: ودّعت المزيّن الصوفى، فقلت: زودنى شيئا. فقال: إن ضاع منك شىء، أو أردت أن يجمع اللّه بينك و بين إنسان، فقل: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إن اللّه لا يخلف الميعاد، اجمع بينى و بين كذا، فإن اللّه تعالى يجمع بينك و بين ذلك الشىء، أو ذلك الإنسان، فما دعوت بها فى شىء إلا استجيب.
و قال أبو بكر الرزاى: سمعت أبا الحسن المزّين يقول: «الذنب- بعد الذنب- عقوبة الذنب، و الحسنة- بعد الحسنة- ثواب الحسنة» [٢].
و قال: متى ما ظهرت الآخرة، فنيت فيها الدنيا، و متى ظهر ذكر اللّه تعالى، فنيت فيه الدنيا و الآخرة، فإذا تحقّقت الأذكار، فنى العبد و ذكره، و بقى المذكور بصفاته [٣].
و قال: الطريق إلى اللّه تعالى بعدد النجوم، و أنا مفتقر إلى طريق اللّه عز و جل، فلا أجد [٤].
[١] البيت فى طبقات الصوفية للسلمى ١٣/ ٣٨٤.
[٢] انظر: (الرسالة القشيرية ٣٥).
[٣] طبقات السلمى ١٣/ ٣٨٢.
[٤] انظر: الموضع السابق.