العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٤٨٢ - قدامة بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة الجمحى، يكنى أبا عمر، و قيل أبا عمرو، و الأول أكثر و أشهر
البحرين، ثم عزله، و ولى عثمان بن العاص. و سبب عزله، على ما رواه معمر، عن ابن شهاب، قال: أخبرنى عبد اللّه بن عامر بن ربيعة، أن عمر بن الخطاب، استعمل قدامة ابن مظعون على البحرين- و هو خال حفصة، و عبد اللّه ابنى عمر- و قدم الجارود سيد عبد القيس، على عمر بن الخطاب من البحرين، فقال: يا أمير المؤمنين، إن قدامة شرب فسكر، و إنى رأيت حدا من حدود اللّه تعالى، حقا علىّ أن أرفعه إليك. فقال عمر رضى اللّه عنه: من يشهد معك؟ فقال: أبو هريرة، فدعا أبا هريرة رضى اللّه عنه، فقال له: تشهد؟ فقال: لم أره يشرب، و لكنى رأيته سكران يقىء، فقال عمر: لقد تنطّعت فى الشهادة.
ثم كتب إلى قدامة، ليقدم عليه من البحرين فقدم، فقال الجارود. أقم على هذا كتاب اللّه عز و جل، فقال عمر: أخصم أنت أم شهيد؟ فقال: بل شهيد. قال: قد أديت شهادتك. قال: ثم صمت الجارود، فغدا على عمر، فقال: أقم على هذا حد اللّه عز و جل، فقال عمر رضى اللّه عنه: ما أراك إلا خصما، و ما شهد معك إلا رجل واحد، فقال الجارود: إنى أنشدك اللّه! فقال عمر: لتمسكنّ لسانك، أو لأسوءنّك! فقال: يا عمر، أما و اللّه ما ذلك بالحق، أن يشرب ابن عمك الخمر و تسوءنى! فقال أبو هريرة رضى اللّه عنه: إن كنت تشك فى شهادتنا، فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها، فهى امرأة قدامة.
فأرسل عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، إلى هند بنت الوليد ينشدها. فأقامت الشهادة على زوجها. فقال عمر رضى اللّه عنه لقدامة: إنى حادّك، فقال: لو شربت كما يقولون، ما كان لكم أن تحدونى. فقال عمر رضى اللّه عنه: لم؟ قال قدامة: قال اللّه عز و جل: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَ آمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَ أَحْسَنُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: ٩٣].
قال عمر رضى اللّه عنه: أخطأت فى التأويل، إنك إذا اتقيت اللّه تعالى اجتنبت ما حرم عليك. ثم قام عمر على الناس فقال: ماذا ترون فى جلد قدامة؟ فقال القوم: لا نرى أن تجلده ما كان مريضا. فسكت على ذلك أياما، ثم أصبح يوما، و قد عزم على جلده، فقال لأصحابه: ما ترون فى جلد قدامة؟ فقال القوم: لا نرى أن تجلده ما كان و جيعا، فقال عمر رضى اللّه عنه: لأن يلقى اللّه تحت السياط، أحب إلىّ من ألقاه و هو فى عنقى، إيتونى بسوط، ثم قام، فأمر عمر رضى اللّه عنه بقدامة فجلد، فغاضب عمر قدامة، و هجره، فحج عمر و قدامة معه مغاضبا له، فلما قفلا من حجهما، و نزل عمر