شرح النجاة - الإسفرايني النيشابوري، فخر الدين - الصفحة ٤٨١ - السعادة الحقيقية تكتسب في تهذيب الأخلاق
الذات المتقدّمة للكلّ أيّ وجود يخصّها، و أية وحدة تخصّها، و أنّها كيف تعرف حتّى لا يلحقها تكثّر و تغيّر بوجه من الوجوه، و كيف ترتبّت نسبة الموجودات إليها؛ ثمّ كلّما ازداد الناظر فيها [١] استبصارا ازداد للسعادة استعدادا.
و كأنّه ليس يتبرّأ [الإنسان] عن هذا العالم و علائقه إلّا أن يكون آكد العلاقة مع ذلك العالم، فصار له شوق إلى ما هناك، و عشق لما هناك، فصدّه [٢] عن الالتفات إلى ما خلفه جملة.
[السعادة الحقيقية تكتسب في تهذيب الأخلاق]
و نقول أيضا: إنّ هذه السعادة الحقيقية لا تتمّ إلّا بإصلاح الجزء العملي من النفس، و نقدّم لذلك مقدّمة و كأنّا قد ذكرناها فيما سلف.
فنقول: إنّ الخلق هو ملكة تصدر بها عن النفس أفعال ما بسهولة من غير تقدّم رويّة، و قد أمر في كتب الأخلاق بأن يستعمل التوسّط بين الخلقين الضدين، لا بأن يفعل أفعال التوسّط، بل بأن يحصّل ملكة التوسّط. و ملكة التوسّط كأنّها موجودة للقوّة الناطقة و للقوى الحيوانية معا.
أمّا للقوى [٣] الحيوانية فبأن تحصل فيها هيئة الإذعان [و الانفعال].
و أمّا القوّة الناطقة فبأن تحصل فيها هيئة الاستعلاء [و اللاانفعال]، كما أنّ ملكة الإفراط و التفريط موجودة للقوّة الناطقة
[١] . نج، نجا:- فيها
[٢] . نجا: يصده
[٣] . نج: القوى