المراجعات - شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين - الصفحة ٥٦٥
و الأكاسرة و القياصرة و غيرهم كانوا للمسلمين بالمرصاد، إلى كثير من هذه العناصر الجياشة بكل حنق من محمد و آله و أصحابه، و بكل حقد و حسيكة لكلمة الإسلام تريد أن تنقض أساسها و تستأصل شأفتها، و إنها لنشيطة في ذلك مسرعة متعجلة، ترى الأمر قد استتب لها، و الفرصة- بذهاب النبي إلى الرفيق الأعلى- قد حانت، فأرادت أن تسخّر الفرصة، و تنتهز تلك الفوضى قبل أن يعود الإسلام إلى قوة و انتظام، فوقف علي بين هذين الخطرين، فكان من الطبيعي له أن يقدم حقه قربانا لحياة المسلمين [١]، لكنه أراد الاحتفاظ بحقه في الخلافة، و الاحتجاج على من عدل عنه بها على وجه لا تشق بهما للمسلمين عصا، و لا تقع بينهم فتنة ينتهزها عدوهم، فقعد في بيته حتى أخرجوه كرها بدون قتال، و لو أسرع إليهم ما تمت له حجة، و لا سطع لشيعته برهان، لكنه جمع فيما فعل بين حفظ الدين و الاحتفاظ بحقه من خلافة المسلمين، و حين رأى أن حفظ الإسلام و ردّ عادية أعدائه موقوفان في تلك الأيام على الموادعة و المسالمة، شق بنفسه طريق الموادعة، و آثر مسالمة القائمين في الأمر احتفاظا بالأمة، و احتياطا على الملة، و ضنا بالدين، و إيثارا
[١] و قد صرح عليه السّلام بذلك في كتاب له بعثه إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لما ولّاه إمارتها إذ قال:
«أما بعد، فإن اللّه سبحانه بعث محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نذيرا للعالمين و مهيمنا على المرسلين، فلما مضى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تنازع المسلمون الأمر من بعده، فو اللّه ما كان يلقى في روعي و لا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذه الأمر من بعده صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن أهل بيته، و لا أنّهم منحوه عنّي من بعده فما راعني إلّا انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فخشيت إن لم أنصر الإسلام و أهله أن أرى فيه ثلما أو هدما، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان، كما يزول السراب أو كما يتقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل و زهق، و اطمأن الدين و تنهنه ... إلى آخر كلامه»، فراجعه في نهج البلاغة. (منه قدّس سرّه).