المراجعات - شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين - الصفحة ٤٠
لكنّ مشهد هؤلاء الإخوة المتّصلين بمبدإ واحد، و عقيدة واحدة كان- وا أسفاه!- مشهد خصومة عنيفة، تغلو في الجدال غلو الجهال، حتى كأنّ التجالد في مناهج البحث العلمي من آداب المناظرة، أو أنه من قواطع الأدلة! ذلك ما يثير الحفيظة، و يدعو إلى التفكير، و ذلك ما يبعث الهمّ و الغمّ و الأسف فما الحيلة؟ و كيف العمل؟ هذه ظروف ملمّة في مائتين من السنين، و هذه مصائب محدقة بنا من الأمام و الوراء، و عن الشمال و عن اليمين، و ذاك قلم يلتوي به العقم أحيانا، و تجور به الأطماع أحيانا أخرى، و تدور به الحزبية تارة، و تسخره العاطفة تارة أخرى، و بين هذا و ذاك ما يوجب الارتباك فما العمل؟ و كيف الحيلة؟
ضقت ذرعا بهذا و امتلأت بحمله همّا، فهبطت مصر أواخر سنة ١٣٢٩ مؤمّلا في «نيله» نيل الأمنية التي أنشدها، و كنت ألهمت أني موفق لبعض ما أريد و متصل بالذي أداور معه الرأي، و أتداول معه النصيحة، فيسدّد اللّه بأيدينا من «الكنانة» سهما نصيب به الغرض، و نعالج هذا الداء الملحّ على شمل المسلمين بالتمزيق، و على جماعتهم بالتفريق، و قد كان- و الحمد للّه- الذي أمّلت، فإن مصر بلد ينبت العلم، فينمو بها على الإخلاص و الإذعان للحقيقة الثابتة بقوة الدليل؛ و تلك ميزة لمصر فوق مميزاتها التي استقلت بها.
و هناك على نعمى الحال، و رخاء البال، و ابتهاج النفس، جمعني الحظّ السعيد بعلم من أعلامها المبرزين بعقل واسع، و خلق وادع، و فؤاد حي، و علم عليم و منزل رفيع، يتبوّأه بزعامته الدينية، بحق و أهلية.
و ما أحسن ما يتعارف به العلماء من الروح النقي، و القول الرضي، و الخلق النبوي، و متى كان العالم بهذا اللباس الأنيق المترف كان على خير