المراجعات - شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين - الصفحة ٥٤٠
و يخرجون إلى العسكر بالجرف، و هو يحضّهم على التعجيل، ثم ثقل- بأبي و امي- في مرضه، فجعل يقول: «جهزوا جيش اسامة، أنفذوا جيش اسامة، أرسلوا بعث اسامة»، يكرر ذلك و هم مثّاقلون، فلما كان يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول دخل اسامة من معسكره على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فأمره بالسير قائلا له:
«اغد على بركة اللّه تعالى» [١] فودّعه و خرج إلى العسكر، ثم رجع و معه عمر و أبو عبيدة، فانتهوا إليه- بأبي و امي- و هو يجود بنفسه، فتوفي- روحي و أرواح العالمين له الفداء- في ذلك اليوم.
فرجع الجيش باللواء إلى المدينة الطيبة، ثم عزموا على إلغاء البعث بالمرة، و كلموا أبا بكر في ذلك، و أصرّوا عليه غاية الإصرار، مع ما رأوه بعيونهم من اهتمام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في إنفاذه، و عنايته التامة في تعجيل إرساله، و نصوصه المتوالية في الإسراع به على وجه يسبق الأخبار، و بذله الوسع في ذلك منذ عبأه بنفسه و عهد إلى اسامة في أمره، و عقد لواءه بيده إلى أن احتضر- بأبي و امي- فقال: «اغد على بركة اللّه تعالى»، كما سمعت، و لو لا الخليفة لأجمعوا يومئذ على ردّ البعث، و حلّ اللواء، لكنه أبى عليهم ذلك، فلما رأوا منه العزم على إرسال البعث، جاءه عمر بن الخطاب حينئذ يلتمس منه بلسان الأنصار أن يعزل اسامة، و يولي غيره.
هذا، و لم يطل العهد منهم بغضب النبي و انزعاجه، من طعنهم في تأمير اسامة، و لا بخروجه من بيته بسبب ذلك محموما ألما معصّبا مدّثرا، يرسف في مشيته، و رجله لا تكاد تقله، مما كان به من لغوب، فصعد المنبر و هو
[١] راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج ١ ص ٥٣ اوفست على ط ١ بمصر و ج ١ ص ١٦٠ ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل، المغازي للواقدي: ج ٣ ص ١١٢٠، السيرة الحلبية: ج ٣ ص ٢٠٨، السيرة النبوية بهامش الحلبية: ج ٢ ص ٣٤٠، الطبقات الكبرى لابن سعد: ج ٢ ص ١٩١.