المراجعات - شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين - الصفحة ٥٦٤
و أجمعوا- أخذا بالحزم- على منع كل قول أو فعل يوهن بيعتهم، أو يخدش عقدهم، أو يدخل التشويش و الاضطراب على عامتهم، فأين كان الإمام عن السقيفة و عن بيعة الصدّيق و مبايعيه ليحتج عليهم؟ و أنى يتسنّى الاحتجاج له أو لغيره بعد عقد البيعة و قد أخذ أولو الأمر و النهي بالحزم، و أعلن أولو الحول و الطول تلك الشدة، و هل يتسنّى في عصرنا الحاضر لأحد أن يقابل أهل السلطة بما يرفع سلطتهم، و يلغي دولتهم؟ و هل يتركونه و شأنه لو أراد ذلك؟ هيهات هيهات! فقس الماضي على الحاضر، فالناس ناس و الزمان زمان.
على أن عليا لم ير للاحتجاج عليهم يومئذ أثرا إلّا الفتنة التي كان يؤثر ضياع حقه على حصولها في تلك الظروف، إذ كان يخشى منها على بيضة الإسلام و كلمة التوحيد، كما أوضحناه سابقا حيث قلنا: إنه مني في تلك الأيام بما لم يمن به أحد، إذ مثل على جناحيه خطبان فادحان: الخلافة بنصوصها و وصاياها إلى جانب تستصرخه و تستفزه بشكوى تدمي الفؤاد، و حنين يفتت الأكباد، و الفتن الطاغية إلى جانب آخر تنذره بانتفاض شبه الجزيرة، و انقلاب العرب، و اجتياح الإسلام، و تهدده بالمنافقين من أهل المدينة، و قد مردوا على النفاق، و بمن حولهم من الأعراب، و هم منافقون بنصّ الكتاب، بل هم أشدّ كفرا و نفاقا و أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله، و قد قويت شوكتهم بفقده صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و أصبح المسلمون بعده كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، بين ذئاب عادية، و وحوش ضارية، و مسيلمة الكذاب، و طليحة بن خويلد الأفاك، و سجاح بنت الحرث الدجالة، و أصحابهم الرعاع الهمج، قائمون- في محق الإسلام و سحق المسلمين- على ساق، و الرومان